> «الأيام» محمد ناصر:
بالتزامن مع استكمال تجهيز أول دار سينما في العاصمة عدن، ضمن خطة لإعادة تأهيل وتفعيل دور السينما والمنشآت الثقافية، عاد المسرح العدني إلى نشاطه بعد سنوات طويلة من التوقف، في خطوة عدّها فنانون ومثقفون مؤشرًا على بدء استعادة المدينة حياتها الثقافية التي تضررت بصورة كبيرة بفعل الحرب.
وجاء استئناف النشاط المسرحي برعاية وزير الدولة محافظ عدن عبد الرحمن شيخ، وبإشراف مكتب الثقافة في المحافظة، ضمن برنامج يهدف إلى إعادة تنشيط الحركة الفنية وتشجيع الإنتاج المسرحي بعد سنوات من التراجع الذي أعقب الحرب، وما تعرضت له المؤسسات الثقافية من دمار وإهمال. وشهد العرض الافتتاحي حضور نائب وزير الثقافة، حسين باسليم، إلى جانب شخصيات ثقافية وفنية وإعلامية وأكاديمية، إضافة إلى عدد كبير من المهتمين بالمسرح، في رسالة تؤكد الاهتمام الرسمي والمجتمعي بإعادة الاعتبار إلى الثقافة بوصفها إحدى أدوات بناء السلام وتعزيز الهوية الوطنية.
- عودة النشاط
وقدمت فرقة المسرح مسرحية «إلى الخلف دُر»، وهي عمل كوميدي حمل في مضمونه رسائل اجتماعية وتوعوية ركزت على أهمية الدور الذي تضطلع به الأجهزة الأمنية في حماية المواطنين، وضرورة التعاون بين المجتمع ورجال الأمن لترسيخ الاستقرار، وذلك في قالب كوميدي جمع بين الترفيه والرسائل الهادفة.

ويأتي هذا النشاط ضمن خطة أوسع يتبناها مكتب الثقافة في عدن لإعادة تنشيط الفنون الأدائية وتشجيع الأعمال الإبداعية التي تناقش القضايا المجتمعية، وتعيد للمسرح دوره التقليدي منبرًا للتثقيف والحوار ونشر قيم التعايش والمسؤولية المجتمعية.
وشهد اليوم الختامي للعرض حضورًا جماهيريًا أكبر من المتوقع، حيث تفاعل الحاضرون مع المشاهد الكوميدية والرسائل الاجتماعية التي تضمنتها المسرحية، في مؤشر عدّه مهتمون بالشأن الثقافي دليلًا على تعطش سكان المدينة إلى عودة الأنشطة الفنية بعد سنوات من الانقطاع.
- إرث ثقافي عريق
تحتل عدن مكانة خاصة في تاريخ المسرح اليمني؛ إذ تعدّ مهد الحركة المسرحية والسينمائية في الجزيرة العربية، لشهرتها منذ عقود بامتلاكها عددًا من المسارح ودور السينما والمعاهد الفنية، وبأنها أسهمت في تخريج أجيال من الفنانين والممثلين الذين شكلوا ملامح الحركة الثقافية اليمنية. لكن هذا الإرث تعرض لانتكاسة كبيرة خلال سنوات الصراع، خصوصًا عقب اجتياح الجماعة الحوثية المدينة في 2015، وما رافقه من استهداف للمنشآت الثقافية والفنية، لتبدأ بعدها جهودًا متدرجة لإعادة تأهيل المؤسسات العامة، بما فيها المرافق الثقافية.

ورغم محدودية الإمكانات، فإن عدن حافظت على حضورها الفني عبر مبادرات شبابية قادها فنانون ومخرجون محليون، كان من أبرزها «فرقة خليج عدن» بقيادة المخرج السينمائي عمرو جمال، التي نجحت في تقديم عروض مسرحية استقطبت جمهورًا واسعًا، وأسهمت في إعادة الاهتمام بالمسرح بوصفه مساحة للنقاش المجتمعي والتعبير الفني.
- نقاشات مكثفة
ويرى فنانون أن عودة المسرح خطوة تتجاوز الجانب الترفيهي؛ إذ يشكل المسرح وسيلة فعالة لمعالجة كثير من القضايا الاجتماعية، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء، فضلاً عن دوره في اكتشاف المواهب الشابة وإحياء المشهد الثقافي الذي اشتهرت به المدينة. وأكدت مديرة مكتب الثقافة في عدن، سميرة المشجري، أن إعادة تشغيل المسرح تأتي ضمن خطة متكاملة لإحياء الحياة الثقافية في المدينة، مشيدة بالدعم الذي تقدمه السلطة المحلية للأنشطة الفنية، وحرصها على توفير البيئة المناسبة لاستمرار العروض المسرحية والفعاليات الثقافية.

وأشادت بالنجاح الذي حققته المسرحية، وبالمستوى الذي قدمه الممثلون، عادّة أن الإقبال الجماهيري الكبير يعكس استمرار ارتباط المجتمع العدني بالمسرح، ويؤكد امتلاك المدينة قاعدة جماهيرية تتطلع إلى استعادة دورها الثقافي والتنويري. وأضافت أن النجاح الذي حققته العروض الأولى يمثل حافزًا لإطلاق أعمال جديدة خلال الفترة المقبلة، بما يسهم في تنشيط الحركة المسرحية وتشجيع الفنانين الشباب على تقديم أعمال تعالج قضايا المجتمع بلغة فنية معاصرة.
- أكثر من قرن مسرحًا
تعود البدايات الأولى للمسرح في عدن إلى عام 1904 عندما قدمت فرقةٌ مسرحية هندية بقيادة جملت شاه عروضًا باللغة الهندية، وحققت نجاحًا واسعًا دفع فرقًا هندية أخرى إلى تقديم عروضها في المدينة، لتصبح عدن أولى المدن في الجزيرة العربية التي عرفت النشاط المسرحي المنظم. وبعد سنوات قليلة، وتحديدًا في عام 1910، بدأ أبناء عدن خوض التجربة المسرحية بأنفسهم، حيث قدمت فرقة المدرسة الحكومية"فرقة طلبة مدرسة الحكمة" في كريتر أول عرض مسرحي باللغة العربية، بعد ترجمة مسرحية "يوليوس قيصر" من قبل محمد حمود بن حسين الهاشمي، وهو (مستر حمود) نفسه الذي كان له ولأولاده باع طويل في العمل المسرحي والفني والثقافي بعدن.

و بلغ العمل المسرحي في جنوب اليمن ذروته في أواخر خمسينيات القرن الماضي، قبيل اندلاع ثورة 14 أكتوبر، حيث ساهم تأسيس ثلاث فرق مسرحية بارزة في عدن – وهي "فرقة الهيئة العربية للتمثيل"، و"فرقة هيئة الفنون والتمثيل"، و"فرقة المصافي الكوميدية" – في إحياء الفن المسرحي بعد سنوات من الجمود، ليعود بقوة إلى واجهة المشهد الثقافي في المدينة.
ورغم العقبات الكثيرة التي واجهت المسرح في جنوب اليمن، من الإهمال المؤسسي إلى تداعيات الحروب، لا تزال جذوة الإبداع المسرحي متقدة في قلوب الفنانين والمثقفين. لقد أثبتت التجارب الأخيرة، مثل عرض "هاملت" باللهجة العدنية، أن المسرح الجنوبي قادر على النهوض من جديد متى توفرت له البيئة الحاضنة والدعم الحقيقي.
واليوم، يقف المسرح في جنوب اليمن على مفترق طرق حاسم، بين الإصرار على البقاء كرافعة ثقافية ووسيلة للتنوير المجتمعي، وبين خطر الاندثار تحت وطأة الإهمال المتواصل. إن استعادة الدور التاريخي للمسرح الجنوبي تتطلب إرادة سياسية وثقافية جادة، ورؤية استراتيجية تستثمر في الإنسان والمكان، حتى يعود المسرح منبرًا نابضًا يعكس أحلام وتطلعات هذا الشعب العريق.












