«قد تختزل حارةٌ صغيرةٌ تاريخَ مدينة، وقد تختزل مدينةٌ عظيمةٌ حلمَ وطن».
الدهشة التي أعادت قراءة مدينة ليست كل الاكتشافات التاريخية ثمرة بحثٍ مقصود، ولا كل الدهشة وليدة حدث استثنائي. فكثيرًا ما تبدأ رحلة إعادة اكتشاف وطن بخيط يبدو عابرًا؛ اسم حارة، أو مصاهرة بين أسرتين، أو سيرة رجل غاب طويلًا عن صفحات التاريخ، ثم يقود هذا الخيط إلى لوحة كاملة لم يكن المرء يتوقعها.
- وهكذا بدأت رحلتي مع حافة الأصنج
لقد قادتني كتابةُ مقالٍ عن سيرة الشهيد المجاهد محمد عبدالله المحلوي، أحد رواد التنوير اليمني والآباء المؤسسين للحركة الوطنية الحديثة، إلى أن تكشفت أمامي شبكة مدهشة من الأسماء والأسر والمسارات التاريخية التي انتهت جميعها تقريبًا إلى حارة صغيرة في الشيخ عثمان. ولم تكن الدهشة في اجتماع تلك الأسماء فحسب، بل في أن اجتماعها لم يكن استثناءً، وإنما انعكاسًا لروح مدينة كاملة اسمها عدن.
- طريقان مختلفان… ووجهة واحدة
بدأ طريق أسرة الشهيد محمد عبدالله المحلوي من شمال اليمن، حيث دفعتها سياسة الرهائن والقمع الإمامي إلى تهريب أبنائها إلى لحج، ثم انتقالهم لاحقًا إلى عدن.
أما الطريق الآخر فبدأ قبل ذلك بعقود، حين غادر سعيد صالح الأصنج القبيطة ـ وكانت يومئذ جزءًا من أراضي سلطنة لحج العبدلية ـ بعد حادثة ثأر قبلي، ليستقر أولًا في لحج، ثم ينتقل أبناؤه إلى عدن.
ورغم اختلاف البدايتين، انتهى الطريقان إلى المدينة نفسها، ثم إلى المكان نفسه؛ حافة الأصنج.
وهناك لم تلتق الأسرتان في إطار اجتماعي ضيق، بل اندمجتا في نسيج مدني واسع صنعته عدن، وتعزز بالمصاهرة والعمل العام والانفتاح الفكري، حتى غدت الحافة شاهدًا على قصة أكبر بكثير من حدودها الجغرافية.
قد تبدو حافة الأصنج مجرد حارة قديمة من حارات الشيخ عثمان، غير أن تأمل تاريخها يكشف أنها احتضنت، عبر عقود، شخصيات يصعب اجتماعها في مكان واحد لولا طبيعة عدن نفسها.
ففي فضائها تلاقت مسارات الشهيد محمد عبدالله المحلوي، وأحمد محمد سعيد الأصنج، والشاعر والأديب عبدالمجيد محمد سعيد الأصنج، والأستاذ عبدالله عبدالمجيد الأصنج، أحد رواد الحركة النقابية والعمل السياسي، والأستاذ محمد سعد قباطي، أحد مؤسسي الاتحاد العمالي في عدن وأول وزير للمغتربين بعد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، ثم الأستاذة آسيا محمد الحاج المحلوي، التي مثّلت امتدادًا لهذا الحضور الوطني من خلال نشاطها في الحركة الطلابية والنسوية والعمل السياسي، ثم مشاركتها في تأسيس التجمع المدني الجنوبي الديمقراطي (مجد) في أوروبا عام 2009.
غير أن قيمة هذه الأسماء لا تكمن في مكانتها الفردية وحدها، بل في أنها تكشف شبكة اجتماعية وثقافية امتدت عبر أجيال، وجعلت من الحارة مرآةً لمدينة، ومن المدينة مرآةً لتحولات وطن.
- عدن… المدينة التي صنعت النخبة
وهنا تتجاوز القصة حدود حافة الأصنج، فعدن لم تكن مجرد ميناء عالمي، بل مدينة مدنية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
فقد انصهرت فيها روافد اليمن المختلفة؛ من صنعاء وتعز وإب وحضرموت ولحج وأبين ويافع والضالع والصبيحة والقبيطة وغيرها، كما احتضنت جاليات الهند البريطانية، والفرس، والصوماليين، والعرب، والأوروبيين، وتجاورت في أحيائها المساجد مع كنائس مختلف الطوائف المسيحية، والمعابد اليهودية والهندوسية والبارسية، في ظل سيادة القانون ونظام مدني أتاح للتنوع أن يتحول إلى مصدر قوة.
ولذلك لم يكن مستغربًا أن تتحول عدن إلى حاضرة تجارية واقتصادية كبرى تعج بالمصارف والشركات العالمية وبيوت التجارة والملاحة البحرية، وأن تنشأ فيها الصحافة الحديثة، والحركة النقابية، والجمعيات، والتعليم النظامي، والحياة الحزبية، لتغدو قاطرة للتنوير والإصلاح، ليس في جنوب اليمن وحده، بل في عموم اليمن وأجزاء واسعة من الجزيرة العربية والخليج.
ولعل سر عدن الحقيقي لم يكن أنها ميناء عالمي فحسب، بل أنها مدينة مدنية. فالموانئ كثيرة، أما المدن التي استطاعت أن تحول تنوعها الإنساني إلى مشروع حضاري، وأن تجعل من القانون والتعليم والعمل الأهلي والصحافة والنقابات والتسامح الديني أساسًا لنهضتها، فهي قليلة. وفي ذلك، في تقديري، يكمن سر عدن، لا في موقعها الجغرافي وحده.
- حافة الأصنج… تجلٍّ لروح عدن
ومع ذلك، فإن الأمانة التاريخية تقتضي التأكيد على أن هذا الملمح المدهش لحافة الأصنج لا يمثل استثناءً في تاريخ عدن، بقدر ما يجسد أحد أكثر تجلياتها تعبيرًا.
فمثل هذه التناسخات الاجتماعية والوطنية تتكرر، بدرجات متفاوتة، في كثير من أحياء عدن التاريخية؛ من حافة القطيع، وحوافي القاضي وحسين في كريتر، إلى حافة الطليان في المعلا، ثم حافة الهتاري وبندر جديد في التواهي، وغيرها من أحياء المدينة، حتى غدت عدن كلها نسيجًا حضريًا واحدًا، تتشابك فيه الأسر والهجرات والثقافات والعمل العام، وتتكون فيه النخبة الوطنية بصورة طبيعية.
وهذا أحد أسرار عدن الكبرى؛ فهي لم تكن ميناءً عالميًا ومدينةً تتجاور فيها الأحياء فحسب، بل مدينةً تتجاور فيها الحضارات، وتتكامل فيها الخبرات، وتتوارث فيها قيم المدنية عبر الأجيال.
- خاتمة: المدينة التي اختزلت حلم اليمن
حين نتأمل حافة الأصنج وعدن، ندرك أن الدهشة لا تكمن في اجتماع تلك الأسماء في مكان واحد، بل في أن هذا المكان استطاع أن يعكس روح مدينة، وأن المدينة استطاعت أن تعكس جانبًا من الحلم اليمني بالدولة المدنية الحديثة.
فعدن لم تكن عظيمة لأنها كانت ميناءً فحسب، بل لأنها احتضنت الإنسان قبل الانتماء، والكفاءة قبل العصبية، والقانون قبل القوة، والتنوع قبل الإقصاء.
وحين نعيد قراءة حافة الأصنج اليوم، فإننا لا نستعيد ذاكرة حارة من حارات الشيخ عثمان فحسب، بل نستعيد شيئًا من روح عدن نفسها. وحين نستعيد عدن، فإننا لا نستحضر مدينة ازدهرت في مرحلة من التاريخ، بل تجربة مدنية وإنسانية سبقت زمانها وأسهمت في تشكيل الوعي الوطني اليمني الحديث.
ولعل هذا هو سر الدهشة التي قادت إلى هذا المقال؛ إذ بدأت بحارة صغيرة، وانتهت بمدينة، ثم بوطن.
ومن هنا، فإن قراءة حافة الأصنج ليست استعادة لذاكرة مكان فحسب، بل قراءة لملمح من تاريخ مدينة كانت، طوال معظم القرنين التاسع عشر والعشرين، حاضنةً للتنوير، وقاطرةً للنهضة، ومختبرًا مبكرًا لتشكل المجتمع اليمني الحديث، وجسرًا وصل اليمن بالعالم. وحين نفهم عدن على هذا النحو، ندرك أن بعض الحارات قد تكون أوسع من خرائط، وأن بعض المدن قد تكون أكبر من أوطان في قدرتها على صناعة التاريخ.