قريبا كل قارة ستنظم لها كأس عالم لوحدها، شوية شوية بايبدأ الصدام الذي يحاولون تجنبه في كرة القدم العالمية وسوف تتمزق الرابطة الكروية التي نشأت وعاشت ما يقرب قرن من الزمان وحملت تماسك اللعبة ما بين الشعوب بعيوبها وهفواتها ومجاملاتها وتآمراتها.

فمنذ أول ظهور لها وببدائيتها وخلوها من التكتلات والرأسمالية والصراعات التي نشأت فيما بعد الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم إلى دول الرأسمالية أو المستعمرة لدول العالم الثالث ودول تحت الاحتلال، والمناداة بتصفية الاستعمار ومن ثم ظهور الانقسام الذي يتكون رويدا رويدا داخل مؤسسة الفيفا ولعبة كرة القدم ومحاولات صناعة التضامن والتعايش السلمي وأبعاد الشبح السياسي من كرة القدم وربما نجحت الفكرة بعضا من الوقت إلا أنها سرعان ما أطلت برأسها ودخلت الملاعب وظهرت التفرقة في أشكال مختلفة وتحت الضغط من بعض القوى في وجه دول الاستعمار أو الدول الكبرى سارت ونجحت مسابقات كأس العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكادت أن تتمزق في كأس العالم في إنجلترا عام 1966م.

حين شارك نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا ومقاطعة معظم الدول الأفريقية لهذه الكأس، ثم جرى الحرب الباردة ومحاصرة الاتحاد السوفييتي ومنعه من الوصول إلى مراكز متقدمة في البطولة، وبعدها جرى التآمر الفاضح ضد الجزائر العربية وبلد الثورة ضد الاستعمار الفرنسي في عام 1982م، ومنعت بعد أن هزمت ألمانيا الغربية هزيمة نكراء ولطخت وجه الألمان وغرورهم، ثم جرى التآمر أيضا ضد المغرب عام 1986م حين تجاوزت إيرلندا ومرغتها في الوحل واستحقت الانتقال لأول مرة كدولة نامية ومن العالم الثالث إلى الدور الثاني باستحقاق إذ افتعلوا هزيمة البرازيل من النرويج في الدقائق الأخيرة لتغادر المغرب، وشاهدنا فصلًا من الكيد الإمبريالي الغربي ضد الدول النامية وعقدة التفوق الذي يلازم الفكر الرأسمالي في كل نشاطاتهم وغرورهم الذي لازال إلى هذه اللحظة.

وشاهدنا زمن ماردونا اللاعب الأرجنتيني الشهير البلد الذي جاء منه رائد الثورة من اجل الشعوب الفقيرة تشي جيفارا وكيف خاض هذا ظهورا لامعا في زمن الحقبة السوداء للأرجنتين وحكم الطغمة العسكرية التي تحالفت مع أمريكا وقاد الدكتاتور فيدلا الذي حوكم فيما بعد وادخل السجن ولازال زمن الخوف والخطف للناس في شوارع بيونس آيريس وغيرها وحاول تلميع وجهه عبر استضافت كأس العالم في 1978م.

وهناك مرحلة أخرى من حكم العسكر في البرازيل التي سيطرت على الحياة وقد لقيت مقاومة حتى من فريق كرة القدم أو ما أطلق عليه ديمقراطية سقراط ورفاقه ولكنها سرعان ما سقطت تحت أقدام اليسار وإزاحته للابد بعد أن تحالف مع أمريكا ونجحت القوى اليسارية في إعادة البرازيل إلى شعبها وأنهت مرحلة من الضياع والتدهور.

ما أحدثته التطورات الأخيرة في الخليج وظهور نمو رأسمالي وطفرة النفط حيث نجحت قطر في تنظيم كأس العالم عام 2022م وأكسبته طابعا عربيا وأغلقت الباب في وجه التطرف ودعوات الهبوط الأخلاقي وأوجدت قسطا من العدل في التنافس ما بين شعوب العالم، رغم مساعي إسرائيل والصهيونية العالمية لدس سمومها حينها، ولكن ما جرى من أحداث أخيرا في الحرب ما بين إيران وأمريكا وإسرائيل وسقوط القناع العدواني وتدمير المنطقة وعجز أمريكا في حربها الأخيرة وتغير ظروف التحالفات بحثت واشنطن عن تلميع وجهها في تنظيم كأس العالم وتركت للأصابع الصهيونية اللعب ضد الخصوم لها وكشفت مباراة مصر والأرجنتين جزءا من هذا، وجرى ما سمي عودة إلى التآمر وتسخير كأس العالم لخدمة أجندة أمريكية صهيونية رأسمالية للدول الكبرى وممارسة الانتهاكات ضد الدول النامية أو التي تناصر قضية فلسطين وتأديبها بعصا التحكيم الرياضي ،وجعلوا من إمبراطورية الفيفا غولا متوحشا يهدد الشعوب وان تطيع رغما عن انفها ،وهذا ما يفند الاحتجاجات والتنديدات والسخرية التي ارتفعت خلال كأس العالم الحالية في وجه شبح الرأسمالية الجديدة التي تنوي التحكم في حياة الشعوب والمال والثروات وكرة القدم.