> سامي الكاف:

​أعتقد أنه ليس من الصعب على المراقب أن يلحظ حجم التعقيد الذي يحيط بالمسألة اليمنية، لكن الأصعب من ذلك في تقديري هو إدراك أن هذا التعقيد لا ينبغي أن يقود إلى اليأس بقدر ما ينبغي أن يدفع إلى إعادة التفكير في مصادر القوة الحقيقية الكامنة داخل المجتمع نفسه.

لاحظوا معي من فضلكم أن التجارب الإنسانية الكبرى تعلمنا أن الدول لا تُبنى فقط بما تملكه من موارد أو بما تحصل عليه من دعم خارجي، بل بما تمتلكه من قدرة على تحويل التنوع إلى طاقة جامعة والخلاف إلى مساحة للتفاهم.

واليمن، رغم ما مر به من حروب وأزمات وانقسامات، لا يزال في تصوري يحتفظ في عمقه الاجتماعي والثقافي برصيد كبير من الإمكانات التي تؤهله لاستعادة توازنه متى ما توافرت الظروف المناسبة والإرادة الوطنية القادرة على توحيد الجهود حول مشروع جامع يتجاوز الحسابات الضيقة إلى أفق الدولة التي تتسع لجميع أبنائها.

من هذه الحقيقة، المشار إليها أعلاه، تنبع أهمية الجبهة الداخلية بوصفها الشرط الأول لأي مشروع وطني قابل للحياة. في الواقع هذا أمر لا جدال فيه.

لاحظوا معي أن أي قوى في أي دولة في العالم تتوزعها خلافات وتستنزفها صراعات بينية لن تستطيع أن تقدم نفسها حاملة لمستقبل مستقر، حتى وإن حظيت بدعم سياسي أو عسكري من الخارج. ذلك أن الدعم الخارجي، مهما بلغت أهميته، يظل في تقديري عاملاً مساعداً لا بديلاً عن التماسك الوطني.

والتاريخ السياسي الحديث مليء بالأمثلة التي تؤكد أن المجتمعات التي نجحت في تجاوز أزماتها لم تفعل ذلك لأن الآخرين قرروا إنقاذها، بل لأنها تمكنت أولاً من إعادة تنظيم ذاتها وبناء الحد الأدنى من التوافق حول أهدافها الكبرى.

وفي الحالة اليمنية تتبدى لي هذه الحقيقة أكثر وضوحاً، لأن التحدي المطروح ليس مجرد إدارة أزمة عادية أو عابرة، بل استعادة فكرة الدولة نفسها بوصفها إطاراً مشتركاً للمصلحة العامة.

وإذا ما افترضنا أن العامل الداخلي يمثل جوهر الحل، فإن ذلك لا يعني التقليل من تأثير البيئة الإقليمية والدولية التي أسهمت بدرجات متفاوتة في تشكيل مسار الأزمة. فاليمن بحكم موقعه الجغرافي وأهميته الاستراتيجية ظل دائماً، ولا يزال كذلك، جزءاً من شبكة واسعة من المصالح والتفاعلات التي تتجاوز حدوده الوطنية.

بيد أن قراءة متأنية لمسار السنوات الماضية تكشف أن تعدد الفاعلين الخارجيين لم يؤدِ بالضرورة إلى إنتاج رؤية موحدة لمستقبل البلاد، بل إن اختلاف الأولويات والمقاربات كثيراً ما جعل الوصول إلى صيغة مستقرة ودائمة أمراً صعباً للغاية إن لم يكن شبه مستحيل.

وعليه؛ فإن الرهان الحقيقي في اعتقادي لا ينبغي أن يكون على توافقات الخارج وحدها، بل وعلى قدرة اليمنيين أنفسهم على تحويل أي فرصة إقليمية أو دولية إلى مشروع وطني متماسك يستمد شرعيته من الداخل قبل أي شيء آخر.

ويزداد هذا الإدراك أهمية حين نتذكر أن الأزمة اليمنية لم تبدأ مع الحرب الأخيرة، ولم تنشأ فجأة نتيجة حدث سياسي منفرد، بل هي امتداد لتراكمات طويلة تعود جذورها إلى عقود من الانقسامات والصراعات التي لم تُحسم على أسس وطنية راسخة. 

فقد تعاقبت مراحل مختلفة من التنافس السياسي والاجتماعي والقبلي والمذهبي والمناطقي، وكانت كثير من التسويات السابقة تنجح في إيقاف الصراع من دون أن تنجح في معالجة أسبابه العميقة.

ولهذا السبب تبدو الحاجة اليوم أكبر من أي وقت مضى إلى مقاربة عقلانية واقعية تنظر إلى المستقبل بعين واعية للماضي، لا بهدف اجترار الجراح القديمة، وإنما بهدف فهمها وتجاوزها حتى لا تستمر في إنتاج الأزمات ذاتها بأشكال جديدة.

وعليه؛ فإن السلام الحقيقي، من هذا المنطلق الموضح أعلاه، لا يمكن اختزاله في اتفاقات سياسية أو ترتيبات أمنية فحسب، على أهمية تلك الإجراءات وضرورتها. 

فالسلام المستدام هو في جوهره عملية إعادة بناء للثقة بين مكونات المجتمع، وإعادة تعريف للعلاقة بين المواطن والدولة، وإعادة ترميم للفضاء الوطني الذي تضرر بفعل سنوات الصراع.

ولذلك، فإن نجاح أي مسار سياسي مستقبلي سيبقى مرتبطاً بقدرته على مخاطبة الإنسان اليمني أولاً، وإشعاره بأنه شريك في المستقبل لا مجرد متلق لنتائج تفاهمات تعقدها النخب. فالدول في تصوري تستقر حين يشعر مواطنوها بأنهم جزء من مشروعها، لا حين يُطلب منهم الاكتفاء بمراقبة مساره من بعيد.

تتضح القيمة العميقة هنا لفكرة "الإرادة الوطنية" باعتبارها نقطة الانطلاق نحو أي تحول إيجابي. فالإرادة هي قدرة جماعية على تغليب المصلحة العامة على المصالح الآنية، والنظر إلى الدولة بوصفها مسؤولية مشتركة لا مجالاً للتنافس على الغنائم.

وفي هذا السياق يكتسب إعلان نقل السلطة الصادر في السابع من أبريل 2022 أهمية خاصة، ليس فقط من حيث نصوصه السياسية، بل أيضاً من حيث روحه التي سعت إلى تقديم إطار أوسع للتوافق والعمل المشترك. فالقيمة الحقيقية لأي وثيقة وطنية لا تكمن في الكلمات التي تتضمنها فحسب، بل في قدرتها على التحول إلى ممارسة سياسية تعزز الشراكة وتفتح المجال أمام بناء الثقة بين مختلف الأطراف.

من هذه النقطة، تحديداً، تبرز معركة استعادة الدولة باعتبارها معركة وعي بقدر ما هي معركة مؤسسات وإجراءات. فالدولة في معناها العميق ليست مجرد سلطة تدير الشأن العام، بل منظومة قيم تقوم على فكرة "الاحتكام إلى القانون" و"المواطنة المتساوية" و"المسؤولية المشتركة". 

وعندما تتعرض هذه المنظومة للاهتزاز يصبح التحدي الأساسي في تقديري هو إعادة الاعتبار للفكرة التي تقوم عليها قبل إعادة بناء هياكلها المادية.

ولذلك، فإن النجاح في استعادة الدولة لا يقاس فقط باستعادة الأرض أو المؤسسات، وإنما أيضاً بقدرة المجتمع على استعادة ثقته بمفهوم الدولة ذاته باعتباره الضامن الوحيد لإدارة التنوع وحماية الحقوق وتحقيق الاستقرار.

وإذا كان "الوعي" يمثل ساحة المعركة الأولى، فإن "إدارة الاختلاف" بحكمة تمثل الاختبار الأهم لنجاح المشروع الوطني. فالمجتمعات الحية لا تُقاس بغياب الخلافات داخلها، بل بقدرتها على تنظيم تلك الخلافات ضمن قواعد مشتركة تمنع تحولها إلى صراعات وجودية.

واليمن يمتلك من التنوع الاجتماعي والثقافي والسياسي ما يمكن أن يكون مصدر قوة كبيرة إذا جرى التعامل معه بعقلية الدولة لا بعقلية الاصطفاف الضيق. فكل تجربة وطنية ناجحة قامت في جوهرها على الاعتراف بالتعدد وتحويله إلى عنصر إثراء لا سبب للانقسام.

ومن ثم، فإن الحكمة السياسية المطلوبة اليوم ليست البحث عن مجتمع متجانس بصورة مطلقة، بل بناء عقد وطني يسمح للجميع بالمشاركة في صناعة المستقبل من دون إقصاء أو استحواذ.

وعندما ننظر إلى المشهد، من هذه الزاوية المشار إليها أعلاه، تتراجع الصورة القاتمة التي كثيراً ما تُرسم لمستقبل اليمن، ويظهر بدلاً منها أفق أكثر اتزاناً وواقعية. فالشعوب التي استطاعت تجاوز حروب طويلة وانقسامات حادة لم تكن في تقديري أفضل حالاً بالضرورة من اليمنيين، لكنها امتلكت في لحظة معينة الشجاعة الكافية للاعتراف بأخطائها والبدء من جديد.

واليمنيون في تصوري ليسوا استثناء من هذه القاعدة الإنسانية. فخلف مشاهد الصراع الممتدة توجد طاقات اجتماعية وثقافية وبشرية كبيرة، كما توجد رغبة عميقة لدى غالبية الناس في استعادة الاستقرار والحياة الطبيعية. وهذه الرغبة، إذا ما وجدت قيادة سياسية مسؤولة وإطاراً وطنياً جامعاً، يمكن أن تتحول إلى قوة دافعة نحو إعادة البناء.

ولهذا كله يبقى السؤال الأكثر أهمية موجهاً إلى الداخل قبل الخارج كخلاصة لهذه المقالة التحليلية: هل يمتلك اليمنيون الشجاعة اللازمة للبدء بإعادة بناء وطنهم من الداخل؟

في الواقع إن قيمة هذا السؤال لا تكمن في التشكيك بقدراتهم، بل في التذكير بأن مستقبل الأمم يُصنع أولاً بإرادة أبنائها. فالعالم يستطيع أن يساعد، ويمكن للأشقاء والأصدقاء أن يدعموا كما تفعل السعودية دائماً، وقد تسهم التفاهمات الإقليمية والدولية في تهيئة الظروف المناسبة، لكن القرار الأخير في تقديري سيظل قراراً يمنياً خالصاً.

وحين يدرك اليمنيون أن مشروع الدولة الوطنية الجامعة ليس مصلحة لفئة من دون أخرى، بل ضرورة وجودية للجميع بلا استثناء، فإن الطريق نحو السلام العادل والاستقرار المستدام سيصبح أكثر وضوحاً، وسيغدو المستقبل وقتها، مهما بدا بعيداً اليوم، أقرب مما يظن كثيرون.
عن "إندبندنت عربية"