> واشنطن «الأيام» العرب اللندنية:

​عادت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لتفرض سؤالاً يتجاوز حسابات الميدان إلى مستقبل الصراع نفسه: هل تستطيع القوة العسكرية إنهاء المواجهة، أم أن الوساطة الدبلوماسية تبقى الطريق الأقرب إلى وقف الحرب؟

ومع انهيار الهدنة التي كان يُفترض أن تفتح الباب أمام مفاوضات تمتد ستين يوما، وعودة الضربات المتبادلة، تبدو المنطقة أمام اختبار جديد لجدوى سياسة “الضغط الأقصى” التي تتبناها واشنطن في مواجهة طهران، في مقابل رهان متزايد على أن الحل السياسي، مهما طال، يظل أقل كلفة من استمرار المواجهة العسكرية.

وتشير تحليلات صادرة عن مراكز أبحاث غربية إلى أن الإدارة الأميركية تنظر إلى القوة العسكرية باعتبارها أداة لإجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة، وليس باعتبارها وسيلة لإسقاط النظام الإيراني أو خوض حرب شاملة.

ويستند هذا التقدير إلى اقتناع بأن التفوق العسكري الأميركي يمنح واشنطن القدرة على إلحاق خسائر كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، وإضعاف قدراتها الصاروخية ومنشآتها العسكرية، بما يرفع كلفة استمرار المواجهة على القيادة الإيرانية ويدفعها، في نهاية المطاف، إلى التفاوض.

وتوضح مؤسسة "أوكسفورد إيكونومكس" أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يطبق في الأزمة الإيرانية النهج ذاته الذي اتبعه في ملفات أخرى، والقائم على إستراتيجية "حافة الهاوية"، أي رفع مستوى الضغوط إلى أقصى حد قبل فتح الباب أمام التسوية.

ومن هذا المنطلق جاءت الضربات الأميركية المكثفة التي استهدفت عشرات المواقع العسكرية الإيرانية، في رسالة مفادها أن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام القوة إذا رفضت طهران تعديل سلوكها، لكنها، في الوقت ذاته، تُبقي الباب مفتوحا أمام العودة إلى المسار السياسي.

غير أن هذا الرهان يصطدم، بحسب خبراء عسكريين، بطبيعة التفكير الإستراتيجي الإيراني. فوفقًا لتحليل صادر عن معهد دراسة الحرب، بالتعاون مع مشروع التهديدات الحرجة، تنظر القيادة الإيرانية إلى السيطرة على مضيق هرمز باعتبارها جزءا من أمنها القومي وأداة رئيسية لترسيخ نفوذها الإقليمي، وهو ما يجعلها مستعدة لتحمل كلفة عسكرية باهظة مقابل عدم تقديم تنازلات في هذا الملف.

ولذلك قد لا تكون الضربات الجوية، مهما بلغت شدتها، كافية لإجبار طهران على تغيير حساباتها إذا اعتبرت أن التراجع سيضعف مكانتها الإستراتيجية في الخليج.

وتحذر تقارير مراكز أبحاث غربية من أن افتراض الولايات المتحدة أن إيران ستتراجع تلقائيا أمام التفوق العسكري قد لا يكون دقيقا، لأن طهران تمتلك خيارات متعددة للرد، من بينها شن حرب استنزاف طويلة باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، واستهداف القواعد الأميركية في الخليج، أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز.

وفي هذه الحالة قد تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى توسيع عملياتها العسكرية لحماية قواتها وخطوط إمداد الطاقة، بما يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية يصعب احتواؤها.

كما يواجه خيار القوة قيودا سياسية داخل الولايات المتحدة نفسها. فالرئيس ترامب، رغم تبنيه خطابا متشددا تجاه إيران، يدرك أن الانخراط في حرب طويلة أو إرسال قوات برية إلى الداخل الإيراني يتعارضان مع وعده الانتخابي بعدم خوض "حروب أبدية"، فضلاً عن الكلفة الاقتصادية والبشرية التي قد تتحملها الولايات المتحدة إذا تحولت المواجهة إلى نزاع مفتوح.

وفي المقابل يرى عدد متزايد من المحللين أن الوساطة تبقى الخيار الأكثر واقعية لإنهاء الحرب، استنادا إلى التجارب السابقة التي أظهرت أن فترات التهدئة بين واشنطن وطهران لم تكن نتيجة الحسم العسكري، بل جاءت عبر مفاوضات غير مباشرة رعتها أطراف إقليمية ودولية، وفي مقدمتها سلطنة عُمان، التي لعبت دورا محوريا في تقريب وجهات النظر بين الطرفين خلال محطات سابقة.

ويستند هذا الرأي إلى أن الولايات المتحدة وإيران تمتلكان دوافع قوية لتجنب استمرار الحرب. فواشنطن لا ترغب في اندلاع أزمة طاقة عالمية جديدة تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة معدلات التضخم، وهو ما قد ينعكس سلبا على الاقتصاد الأميركي.

في المقابل تدرك طهران أن استمرار الضربات سيؤدي إلى المزيد من الاستنزاف الاقتصادي والعسكري، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات داخلية وضغوطا خارجية متصاعدة.

ويحذر خبراء الاقتصاد من أن أي تصعيد واسع في مضيق هرمز قد يحول الحرب إلى أزمة عالمية، إذ إن الإغلاق الكامل للمضيق أو استهداف ناقلات النفط سيؤديان إلى اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة وارتفاع حاد في أسعار النفط، وهو سيناريو لا يخدم أيّا من طرفي الصراع، بل قد يدفع المجتمع الدولي إلى تكثيف الضغوط من أجل العودة إلى طاولة المفاوضات.

وتذهب بعض التقديرات إلى أن ترامب قد يعود إلى خيار الدبلوماسية إذا شعر بأن التصعيد بدأ يتجاوز أهدافه، أو أن إيران نجحت في استدراجه إلى حرب استنزاف.

وفي هذه الحالة قد يلجأ إلى وساطة دولية أو إقليمية، عبر سلطنة عُمان أو إحدى الدول الأوروبية، لطرح مبادرة جديدة لوقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات، مع تقديم ذلك للرأي العام الأميركي باعتباره نجاحا لإستراتيجية الضغط العسكري التي أجبرت إيران على العودة إلى الحوار.

لكن نجاح أي وساطة سيظل مرهونا بقدرة الوسطاء على معالجة القضايا الجوهرية التي تقف وراء الصراع، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، والنفوذ الإقليمي لطهران. وهي ملفات أثبتت التجارب السابقة أنها لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، كما لا يمكن تجاوزها عبر هدنة مؤقتة.

وفي ضوء ذلك تبدو القوة العسكرية قادرة على تغيير ميزان الردع وتحسين شروط التفاوض، لكنها لا تبدو كافية لإنهاء الحرب بصورة دائمة.

أما الوساطة فعلى الرغم من بطء مسارها وتعقيداته تظل الخيار الأكثر قدرة على تحويل وقف إطلاق النار إلى تسوية سياسية مستدامة.

ومن ثم، فإن إنهاء الحرب لن يتحقق، على الأرجح، بانتصار أحد الطرفين عسكريّا، بل بتكامل الضغط العسكري مع مسار تفاوضي يتيح لكل طرف الخروج من الأزمة بأقل قدر ممكن من الخسائر، ويجنب الشرق الأوسط الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع يصعب احتواء تداعياتها.