> أبوظبي/الرياض «الأيام» العرب اللندنية:
كشفت أزمة مضيق هرمز أن أمن الطاقة لم يعد يقتصر على حماية ناقلات النفط أو ضمان حرية الملاحة، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الدول على توفير بدائل فعالة تسمح باستمرار تدفق التجارة حتى في أوقات الأزمات.
وبينما تعاملت دول الخليج لعقود مع المضيق باعتباره الشريان الطبيعي لصادراتها، بدأت اليوم تنظر إليه بوصفه أحد المسارات الممكنة ضمن شبكة أوسع من الممرات البرية والبحرية، بما يقلل من الاعتماد على نقطة اختناق واحدة يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى مصدر اضطراب اقتصادي عالمي.
هذا التحول لم يأتِ نتيجة أزمة عابرة، وإنما يعكس تراكمًا في الخبرة الاستراتيجية الخليجية بعد سنوات من الهجمات على ناقلات النفط والمنشآت الحيوية، مرورًا بالحرب في اليمن، ثم التوترات المتكررة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
فقد أظهرت تلك الأحداث أن المخاطر لم تعد تقتصر على احتمال إغلاق المضيق بالكامل، وهو سيناريو يبقى مستبعدًا بسبب كلفته على جميع الأطراف، وإنما تشمل أيضًا تعطيل الملاحة بصورة جزئية، وارتفاع أقساط التأمين، وإرباك جداول الشحن، وهي عوامل كافية لإحداث اضطرابات واسعة في الأسواق العالمية.
ومن هنا، بدأت العواصم الخليجية تتعامل مع أمن التجارة باعتباره جزءًا من الأمن القومي، لا يقل أهمية عن أمن الحدود أو القدرات العسكرية. فكل يوم تتعطل فيه حركة الملاحة في هرمز ينعكس مباشرة على تكاليف النقل وسلاسل الإمداد، ويؤثر في قدرة اقتصادات المنطقة على جذب الاستثمارات العالمية، خصوصًا في ظل المنافسة المتزايدة بين المراكز اللوجستية الدولية.
وفي مقدمة هذا التحول تبرز السعودية، التي تسعى إلى توظيف مشاريعها العملاقة في إطار رؤية 2030 لبناء منظومة لوجستية متكاملة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.
ولم يعد تطوير ميناء نيوم أو توسيع شبكة السكك الحديدية مجرد مشاريع تنموية منفصلة، بل أصبح جزءًا من رؤية أشمل تهدف إلى تحويل المملكة إلى حلقة وصل رئيسية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وتكتسب هذه المشاريع أهمية إضافية لأنها تقلل تدريجيًا من الاعتماد على مضيق هرمز، وتمنح الصادرات السعودية خيارات متعددة للوصول إلى الأسواق العالمية عبر البحر الأحمر، الذي يمثل بوابة مباشرة إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية. كما تسمح بربط المناطق الصناعية الجديدة بشبكات النقل الحديثة، بما ينسجم مع هدف تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على العائدات النفطية.
وفي المقابل، تمضي الإمارات في استراتيجية موازية تقوم على تعزيز منافذها الواقعة خارج مضيق هرمز، مستفيدة من خط أنابيب حبشان – الفجيرة الذي ينقل جزءًا مهمًا من صادرات النفط مباشرة إلى بحر العرب، دون المرور بالمضيق. ويمنح ذلك أبوظبي هامشًا أكبر في مواجهة أي اضطرابات مستقبلية، كما يعزز مكانة ميناء الفجيرة باعتباره أحد أهم مراكز تخزين وتصدير النفط في العالم.
ولا يقتصر الرهان الإماراتي على الطاقة وحدها، بل يمتد إلى ترسيخ موقع الدولة كمركز عالمي لإعادة التصدير والخدمات اللوجستية، عبر تطوير الموانئ وربطها بمشاريع السكك الحديدية داخل الدولة ومع سلطنة عُمان. ويتيح هذا الربط الاستفادة من الموانئ العُمانية المطلة على بحر العرب، لتشكيل منظومة نقل أكثر مرونة وأقل تأثرًا بالتوترات التي قد تشهدها الممرات البحرية التقليدية.
لكن التحول الخليجي لا يهدف إلى استبدال مضيق هرمز بمسار آخر، بقدر ما يسعى إلى إنهاء فكرة الاعتماد على منفذ وحيد. فالدرس الذي فرضته الأزمات الأخيرة يتمثل في أن أمن التجارة يتحقق عبر تعدد الخيارات، بحيث تستطيع البضائع والطاقة الانتقال عبر أكثر من طريق، سواء من خلال البحر الأحمر، أو الموانئ العُمانية، أو شبكات السكك الحديدية، أو خطوط الأنابيب.
ولهذا، يتزايد الاهتمام بإنشاء شبكة مترابطة من الممرات، بدل التركيز على مشروع واحد. فالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، على سبيل المثال، لا يُنظر إليه باعتباره مجرد طريق جديد لنقل البضائع، وإنما كمنصة يمكن أن توحد الاستثمارات الخليجية المختلفة ضمن رؤية إقليمية متكاملة، تربط الموانئ بالسكك الحديدية والمناطق الصناعية ومراكز الخدمات اللوجستية.
وفي الوقت نفسه، يتقاطع هذا المشروع مع مبادرات أخرى في المنطقة، مثل مشروع “طريق التنمية” العراقي، والممر الأوسط الذي يربط آسيا بأوروبا عبر القوقاز وتركيا، ما يفتح الباب أمام منافسة واسعة بين عدة شبكات تجارية تسعى إلى استقطاب حركة البضائع العالمية.
غير أن هذه المنافسة لا تعني بالضرورة تعارض المصالح، إذ يمكن لدول الخليج أن تستفيد من تكامل هذه الممرات، بما يعزز مكانتها كمحور رئيسي في التجارة الدولية بدل أن تكون مجرد نقطة عبور للطاقة.
غير أن نجاح هذه الرؤية لا يتوقف على إنشاء موانئ حديثة أو مد آلاف الكيلومترات من السكك الحديدية وخطوط الأنابيب، بل يرتبط بقدرة دول الخليج على بناء منظومة اقتصادية متكاملة تجعل الانتقال بين هذه الممرات سريعًا ومنخفض التكلفة. فالتجارب العالمية تشير إلى أن البنية التحتية، مهما بلغت جودتها، لا تحقق أهدافها إذا بقيت الإجراءات الجمركية معقدة أو اختلفت التشريعات والأنظمة من دولة إلى أخرى.
ولهذا، أصبح التكامل الجمركي والرقمي أحد أهم عناصر المنافسة بين الممرات التجارية الدولية. فالشركات العالمية لا تبحث فقط عن أقصر طريق، بل عن أكثره استقرارًا وسرعة وشفافية.
ومن هنا تبرز أهمية توحيد إجراءات العبور، واعتماد منصات إلكترونية مشتركة للتخليص الجمركي، وتطوير أنظمة الدفع والخدمات اللوجستية، بما يختصر الزمن ويخفض الكلفة ويزيد من جاذبية المنطقة أمام المستثمرين.
وفي هذا السياق، يكتسب مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) أهمية تتجاوز كونه مشروعًا للنقل. فجوهر المبادرة يتمثل في بناء شبكة متكاملة تشمل الموانئ والسكك الحديدية والطاقة والاتصالات والكابلات البحرية، بما يجعلها منصة اقتصادية شاملة وليست مجرد خط لعبور الحاويات. ورغم أن المشروع فقد جزءًا من زخمه بسبب الحرب في غزة وما رافقها من توترات إقليمية، فإن أزمة هرمز أعادت تسليط الضوء على الحاجة إلى مثل هذه المبادرات التي تقلل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية.
كما تدفع الأزمة إلى إعادة تقييم مشاريع ظلت لسنوات رهينة التجاذبات السياسية، مثل خط أنابيب النفط العراقي إلى ميناء العقبة الأردني، أو مشاريع الربط السككي بين الخليج والأردن، مع بقاء احتمالات امتدادها مستقبلًا إلى سوريا وتركيا إذا توافرت بيئة سياسية وأمنية أكثر استقرارًا. فهذه المشاريع لم تعد تُقاس فقط بجدواها الاقتصادية، بل بقيمتها الاستراتيجية في تنويع منافذ التصدير وتقليص المخاطر الجيوسياسية.
ويمنح هذا التحول دولًا مثل الأردن فرصة لتعزيز دورها بوصفها مركز عبور إقليمي، فيما قد تستفيد سوريا مستقبلًا، إذا استقرت أوضاعها، من موقعها الجغرافي لاستعادة جزء من دورها التاريخي كحلقة وصل بين الخليج وشرق البحر المتوسط. كما يمكن للعراق أن يتحول إلى شريك رئيسي في شبكة النقل الإقليمية إذا نجح في تطوير بنيته التحتية وتأمين مسارات التجارة عبر أراضيه.
ولا يقتصر التحول الخليجي على الممرات التقليدية، إذ بدأت المنطقة تنظر إلى البنية الرقمية باعتبارها جزءًا من أمنها الاقتصادي. فكما تتنافس الدول على استقطاب خطوط الملاحة البحرية، تتنافس أيضًا على استضافة الكابلات البحرية العابرة للقارات، ومراكز البيانات، ومنصات الحوسبة السحابية، ومشاريع الذكاء الاصطناعي. ومع التوسع الكبير في الاقتصاد الرقمي، قد تصبح حركة البيانات في المستقبل مساوية في أهميتها لحركة النفط والبضائع.
وتملك دول الخليج مقومات قوية لدخول هذه المنافسة، بفضل موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا، واستثماراتها المتزايدة في الطاقة المتجددة والبنية الرقمية. ويمكن أن يؤدي الجمع بين الممرات اللوجستية التقليدية والممرات الرقمية إلى منح المنطقة ميزة تنافسية يصعب على كثير من المراكز العالمية مجاراتها.
كما تمتلك عناصر قوة مهمة. فهي تتمتع بقدرات مالية كبيرة، وبنية تحتية متقدمة، وخبرة متراكمة في إدارة الموانئ والمناطق الحرة، فضلًا عن بيئة أعمال أكثر استقرارًا مقارنة بكثير من دول المنطقة. وإذا نجحت في توظيف هذه المقومات ضمن رؤية إقليمية مشتركة، فإنها لن تكتفي بتأمين صادراتها النفطية، بل ستتحول إلى مركز عالمي لإدارة سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.
وفي المحصلة، تبدو أزمة مضيق هرمز، على الرغم من تداعياتها الأمنية والاقتصادية، نقطة تحول أكثر منها أزمة عابرة. فهي تدفع دول الخليج إلى إعادة تعريف مفهوم أمن الطاقة، ليصبح جزءًا من مفهوم أشمل هو أمن التجارة، القائم على تنويع الممرات، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التكامل الاقتصادي والرقمي.
وبينما تعاملت دول الخليج لعقود مع المضيق باعتباره الشريان الطبيعي لصادراتها، بدأت اليوم تنظر إليه بوصفه أحد المسارات الممكنة ضمن شبكة أوسع من الممرات البرية والبحرية، بما يقلل من الاعتماد على نقطة اختناق واحدة يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى مصدر اضطراب اقتصادي عالمي.
هذا التحول لم يأتِ نتيجة أزمة عابرة، وإنما يعكس تراكمًا في الخبرة الاستراتيجية الخليجية بعد سنوات من الهجمات على ناقلات النفط والمنشآت الحيوية، مرورًا بالحرب في اليمن، ثم التوترات المتكررة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
فقد أظهرت تلك الأحداث أن المخاطر لم تعد تقتصر على احتمال إغلاق المضيق بالكامل، وهو سيناريو يبقى مستبعدًا بسبب كلفته على جميع الأطراف، وإنما تشمل أيضًا تعطيل الملاحة بصورة جزئية، وارتفاع أقساط التأمين، وإرباك جداول الشحن، وهي عوامل كافية لإحداث اضطرابات واسعة في الأسواق العالمية.
ومن هنا، بدأت العواصم الخليجية تتعامل مع أمن التجارة باعتباره جزءًا من الأمن القومي، لا يقل أهمية عن أمن الحدود أو القدرات العسكرية. فكل يوم تتعطل فيه حركة الملاحة في هرمز ينعكس مباشرة على تكاليف النقل وسلاسل الإمداد، ويؤثر في قدرة اقتصادات المنطقة على جذب الاستثمارات العالمية، خصوصًا في ظل المنافسة المتزايدة بين المراكز اللوجستية الدولية.
وفي مقدمة هذا التحول تبرز السعودية، التي تسعى إلى توظيف مشاريعها العملاقة في إطار رؤية 2030 لبناء منظومة لوجستية متكاملة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.
ولم يعد تطوير ميناء نيوم أو توسيع شبكة السكك الحديدية مجرد مشاريع تنموية منفصلة، بل أصبح جزءًا من رؤية أشمل تهدف إلى تحويل المملكة إلى حلقة وصل رئيسية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وتكتسب هذه المشاريع أهمية إضافية لأنها تقلل تدريجيًا من الاعتماد على مضيق هرمز، وتمنح الصادرات السعودية خيارات متعددة للوصول إلى الأسواق العالمية عبر البحر الأحمر، الذي يمثل بوابة مباشرة إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية. كما تسمح بربط المناطق الصناعية الجديدة بشبكات النقل الحديثة، بما ينسجم مع هدف تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على العائدات النفطية.
وفي المقابل، تمضي الإمارات في استراتيجية موازية تقوم على تعزيز منافذها الواقعة خارج مضيق هرمز، مستفيدة من خط أنابيب حبشان – الفجيرة الذي ينقل جزءًا مهمًا من صادرات النفط مباشرة إلى بحر العرب، دون المرور بالمضيق. ويمنح ذلك أبوظبي هامشًا أكبر في مواجهة أي اضطرابات مستقبلية، كما يعزز مكانة ميناء الفجيرة باعتباره أحد أهم مراكز تخزين وتصدير النفط في العالم.
ولا يقتصر الرهان الإماراتي على الطاقة وحدها، بل يمتد إلى ترسيخ موقع الدولة كمركز عالمي لإعادة التصدير والخدمات اللوجستية، عبر تطوير الموانئ وربطها بمشاريع السكك الحديدية داخل الدولة ومع سلطنة عُمان. ويتيح هذا الربط الاستفادة من الموانئ العُمانية المطلة على بحر العرب، لتشكيل منظومة نقل أكثر مرونة وأقل تأثرًا بالتوترات التي قد تشهدها الممرات البحرية التقليدية.
لكن التحول الخليجي لا يهدف إلى استبدال مضيق هرمز بمسار آخر، بقدر ما يسعى إلى إنهاء فكرة الاعتماد على منفذ وحيد. فالدرس الذي فرضته الأزمات الأخيرة يتمثل في أن أمن التجارة يتحقق عبر تعدد الخيارات، بحيث تستطيع البضائع والطاقة الانتقال عبر أكثر من طريق، سواء من خلال البحر الأحمر، أو الموانئ العُمانية، أو شبكات السكك الحديدية، أو خطوط الأنابيب.
ولهذا، يتزايد الاهتمام بإنشاء شبكة مترابطة من الممرات، بدل التركيز على مشروع واحد. فالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، على سبيل المثال، لا يُنظر إليه باعتباره مجرد طريق جديد لنقل البضائع، وإنما كمنصة يمكن أن توحد الاستثمارات الخليجية المختلفة ضمن رؤية إقليمية متكاملة، تربط الموانئ بالسكك الحديدية والمناطق الصناعية ومراكز الخدمات اللوجستية.
وفي الوقت نفسه، يتقاطع هذا المشروع مع مبادرات أخرى في المنطقة، مثل مشروع “طريق التنمية” العراقي، والممر الأوسط الذي يربط آسيا بأوروبا عبر القوقاز وتركيا، ما يفتح الباب أمام منافسة واسعة بين عدة شبكات تجارية تسعى إلى استقطاب حركة البضائع العالمية.
غير أن هذه المنافسة لا تعني بالضرورة تعارض المصالح، إذ يمكن لدول الخليج أن تستفيد من تكامل هذه الممرات، بما يعزز مكانتها كمحور رئيسي في التجارة الدولية بدل أن تكون مجرد نقطة عبور للطاقة.
غير أن نجاح هذه الرؤية لا يتوقف على إنشاء موانئ حديثة أو مد آلاف الكيلومترات من السكك الحديدية وخطوط الأنابيب، بل يرتبط بقدرة دول الخليج على بناء منظومة اقتصادية متكاملة تجعل الانتقال بين هذه الممرات سريعًا ومنخفض التكلفة. فالتجارب العالمية تشير إلى أن البنية التحتية، مهما بلغت جودتها، لا تحقق أهدافها إذا بقيت الإجراءات الجمركية معقدة أو اختلفت التشريعات والأنظمة من دولة إلى أخرى.
ولهذا، أصبح التكامل الجمركي والرقمي أحد أهم عناصر المنافسة بين الممرات التجارية الدولية. فالشركات العالمية لا تبحث فقط عن أقصر طريق، بل عن أكثره استقرارًا وسرعة وشفافية.
ومن هنا تبرز أهمية توحيد إجراءات العبور، واعتماد منصات إلكترونية مشتركة للتخليص الجمركي، وتطوير أنظمة الدفع والخدمات اللوجستية، بما يختصر الزمن ويخفض الكلفة ويزيد من جاذبية المنطقة أمام المستثمرين.
وفي هذا السياق، يكتسب مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) أهمية تتجاوز كونه مشروعًا للنقل. فجوهر المبادرة يتمثل في بناء شبكة متكاملة تشمل الموانئ والسكك الحديدية والطاقة والاتصالات والكابلات البحرية، بما يجعلها منصة اقتصادية شاملة وليست مجرد خط لعبور الحاويات. ورغم أن المشروع فقد جزءًا من زخمه بسبب الحرب في غزة وما رافقها من توترات إقليمية، فإن أزمة هرمز أعادت تسليط الضوء على الحاجة إلى مثل هذه المبادرات التي تقلل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية.
كما تدفع الأزمة إلى إعادة تقييم مشاريع ظلت لسنوات رهينة التجاذبات السياسية، مثل خط أنابيب النفط العراقي إلى ميناء العقبة الأردني، أو مشاريع الربط السككي بين الخليج والأردن، مع بقاء احتمالات امتدادها مستقبلًا إلى سوريا وتركيا إذا توافرت بيئة سياسية وأمنية أكثر استقرارًا. فهذه المشاريع لم تعد تُقاس فقط بجدواها الاقتصادية، بل بقيمتها الاستراتيجية في تنويع منافذ التصدير وتقليص المخاطر الجيوسياسية.
ويمنح هذا التحول دولًا مثل الأردن فرصة لتعزيز دورها بوصفها مركز عبور إقليمي، فيما قد تستفيد سوريا مستقبلًا، إذا استقرت أوضاعها، من موقعها الجغرافي لاستعادة جزء من دورها التاريخي كحلقة وصل بين الخليج وشرق البحر المتوسط. كما يمكن للعراق أن يتحول إلى شريك رئيسي في شبكة النقل الإقليمية إذا نجح في تطوير بنيته التحتية وتأمين مسارات التجارة عبر أراضيه.
ولا يقتصر التحول الخليجي على الممرات التقليدية، إذ بدأت المنطقة تنظر إلى البنية الرقمية باعتبارها جزءًا من أمنها الاقتصادي. فكما تتنافس الدول على استقطاب خطوط الملاحة البحرية، تتنافس أيضًا على استضافة الكابلات البحرية العابرة للقارات، ومراكز البيانات، ومنصات الحوسبة السحابية، ومشاريع الذكاء الاصطناعي. ومع التوسع الكبير في الاقتصاد الرقمي، قد تصبح حركة البيانات في المستقبل مساوية في أهميتها لحركة النفط والبضائع.
وتملك دول الخليج مقومات قوية لدخول هذه المنافسة، بفضل موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا، واستثماراتها المتزايدة في الطاقة المتجددة والبنية الرقمية. ويمكن أن يؤدي الجمع بين الممرات اللوجستية التقليدية والممرات الرقمية إلى منح المنطقة ميزة تنافسية يصعب على كثير من المراكز العالمية مجاراتها.
كما تمتلك عناصر قوة مهمة. فهي تتمتع بقدرات مالية كبيرة، وبنية تحتية متقدمة، وخبرة متراكمة في إدارة الموانئ والمناطق الحرة، فضلًا عن بيئة أعمال أكثر استقرارًا مقارنة بكثير من دول المنطقة. وإذا نجحت في توظيف هذه المقومات ضمن رؤية إقليمية مشتركة، فإنها لن تكتفي بتأمين صادراتها النفطية، بل ستتحول إلى مركز عالمي لإدارة سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.
وفي المحصلة، تبدو أزمة مضيق هرمز، على الرغم من تداعياتها الأمنية والاقتصادية، نقطة تحول أكثر منها أزمة عابرة. فهي تدفع دول الخليج إلى إعادة تعريف مفهوم أمن الطاقة، ليصبح جزءًا من مفهوم أشمل هو أمن التجارة، القائم على تنويع الممرات، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التكامل الاقتصادي والرقمي.















