كثيرًا ما نسأل: كيف يمكن أن نعيش حياة أفضل؟ لكن السؤال الأعمق ربما يكون: كيف ننظر إلى الحياة أصلًا؟
في اليمن، تغيّرت علاقتنا بالحياة تحت ضغط الحرب والفقر والقلق الممتد. لم تعد الحياة عند كثيرين مساحة مفتوحة للأحلام والنمو، بل تحولت إلى اختبار يومي للقدرة على الاحتمال. يستيقظ الإنسان وهو يفكر في الخبز والماء والدواء والراتب والطريق الآمن والكهرباء، ثم ينام وهو يرجو أن يكون الغد أقل قسوة. ومع تكرار هذا الإيقاع، تضيق الحياة حتى تصبح مرادفًا للنجاة، ويغدو النجاح هو أن يعبر المرء يومه بأقل قدر ممكن من الخسائر.
لكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلًا بالنجاة وحدها. فالنجاة تحفظ الجسد، أما المعنى فيحفظ الإنسان من الداخل. ربما نحتاج اليوم إلى أن ننظر إلى الحياة من زاوية مختلفة: لا بوصفها ما نحصل عليه فقط، بل ما نضيفه؛ ولا باعتبارها سباقًا فرديًا على موارد قليلة، بل فرصة للمشاركة في جعل المجتمع أكثر إنسانية، ولو داخل أسرة صغيرة، أو حي متعب، أو مدرسة فقيرة، أو مكان عمل محدود الإمكانات.
اعتدنا أن نقيس قيمة الحياة بما يمتلكه الإنسان من مال أو وظيفة أو نفوذ أو مكانة. غير أن الأزمات تكشف هشاشة هذه المقاييس. قد يفقد المرء ماله أو منصبه أو بيته أو وظيفته، لكنه يظل قادرًا على أن يختار الصدق بدل الخداع، والرحمة بدل القسوة، والمسؤولية بدل اللامبالاة. وهنا تظهر قيمة أخرى للحياة: أن تكون رحلة لبناء الإنسان من الداخل، لا مجرد محاولة لتحسين موقعه في الخارج. قد يبدو الحديث عن خدمة الآخرين ترفًا في بلد يعاني كل هذا الألم، لكنه في الحقيقة من أكثر الأفكار واقعية. فعندما يعلّم شاب طفلًا محرومًا، أو تساعد امرأة جارتها، أو يرفض موظف استغلال حاجة الناس، أو يجتمع أهل قرية لحل مشكلة مشتركة، فإنهم لا يؤدون أعمالًا صغيرة كما قد يظنون؛ بل يرممون الثقة التي مزقتها سنوات الصراع، ويسهمون بذلك في ترميم المجتمع الذي هم جزء منه.
إن أخطر ما فعلته الحرب بنا ليس تدمير الطرق والمؤسسات فقط، بل إضعاف إحساسنا بأننا ننتمي إلى مصير واحد. صار الآخر يُرى كثيرًا باعتباره منافسًا أو خصمًا أو تابعًا لجماعة مختلفة، وضاقت هوية الإنسان حتى اختُزلت في منطقته أو قبيلته أو مذهبه أو موقفه السياسي. لكن أي وطن لا يستطيع النهوض ما دام أبناؤه ينظرون إلى بعضهم بوصفهم أجزاء متصارعة. لا يمكن بناء استقرار دائم بعقلية المنتصر والمهزوم؛ لأن المجتمع الذي يهزم نصفه يهزم نفسه كاملة. نحن بحاجة إلى وعي يرى اختلاف الناس حقيقة لا تهديدًا، ويرى التنوع مصدرًا للقوة لا ذريعة للإقصاء.
ونحتاج كذلك إلى مراجعة علاقتنا بالحقيقة. ففي زمن الشائعات والتحريض، أصبح كثيرون يصدقون الخبر لأنه يوافق غضبهم، لا لأنه صحيح. وصار الولاء للجماعة أحيانًا أقوى من الولاء للضمير. لذلك فإن إحدى أهم صور الشجاعة اليوم أن يتوقف الإنسان قبل أن يحكم، وأن يسأل قبل أن يردد، وأن يراجع رأيه حتى لو كان موروثًا أو شائعًا. نحن لا نفتقر إلى الكلام، بل إلى الإصغاء. ولا نفتقر إلى الآراء، بل إلى القدرة على البحث عن الصواب بعيدًا عن الرغبة في الانتصار الشخصي. فالحوار الحقيقي ليس ساحة يهزم فيها طرف طرفًا آخر، بل مساحة يضع فيها الجميع أفكارهم على الطاولة، ثم يبحثون عما يخدم المصلحة المشتركة. وربما تبدأ المصالحة حين يدخل الناس الحوار لا لحماية صورهم ومواقفهم، بل لحماية مستقبلهم.
إن تغيير نظرتنا إلى الحياة لا يعني إنكار الألم، ولا مطالبة الجائع بالتفاؤل، ولا تجميل واقع قاس بالكلمات. بل يعني رفض أن يكون هذا الواقع هو المصدر الوحيد لتعريفنا بأنفسنا. فحتى في أحلك الظروف، يبقى للإنسان خيار أخلاقي: أن يزيد الظلام أو يشعل ضوءً، أن يكرر خطاب الكراهية أو يقطع دائرته، أن يعيش لنفسه وحده أو يجعل في حياته مساحة للآخرين.
ربما لا نستطيع أن نغيّر اليمن دفعة واحدة، لكننا نستطيع أن نغيّر الفكرة التي نحملها عن الحياة. وحين تصبح الحياة نموًا وخدمة ومسؤولية مشتركة، فإن الأمل لا يعود انتظارًا لما سيأتي، بل يتحول إلى فعل نمارسه كل يوم.
في زمن النجاة، قد تكون مهمتنا الأهم ألا نسمح للخوف والحاجة والصراع بأن تختصر معنى وجودنا. فنحن لا نحتاج فقط إلى أن نبقى أحياء، بل إلى أن نعرف لماذا نعيش، وكيف نجعل من وجودنا سببًا في أن تصبح حياة الآخرين أكثر كرامة.
في اليمن، تغيّرت علاقتنا بالحياة تحت ضغط الحرب والفقر والقلق الممتد. لم تعد الحياة عند كثيرين مساحة مفتوحة للأحلام والنمو، بل تحولت إلى اختبار يومي للقدرة على الاحتمال. يستيقظ الإنسان وهو يفكر في الخبز والماء والدواء والراتب والطريق الآمن والكهرباء، ثم ينام وهو يرجو أن يكون الغد أقل قسوة. ومع تكرار هذا الإيقاع، تضيق الحياة حتى تصبح مرادفًا للنجاة، ويغدو النجاح هو أن يعبر المرء يومه بأقل قدر ممكن من الخسائر.
لكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلًا بالنجاة وحدها. فالنجاة تحفظ الجسد، أما المعنى فيحفظ الإنسان من الداخل. ربما نحتاج اليوم إلى أن ننظر إلى الحياة من زاوية مختلفة: لا بوصفها ما نحصل عليه فقط، بل ما نضيفه؛ ولا باعتبارها سباقًا فرديًا على موارد قليلة، بل فرصة للمشاركة في جعل المجتمع أكثر إنسانية، ولو داخل أسرة صغيرة، أو حي متعب، أو مدرسة فقيرة، أو مكان عمل محدود الإمكانات.
اعتدنا أن نقيس قيمة الحياة بما يمتلكه الإنسان من مال أو وظيفة أو نفوذ أو مكانة. غير أن الأزمات تكشف هشاشة هذه المقاييس. قد يفقد المرء ماله أو منصبه أو بيته أو وظيفته، لكنه يظل قادرًا على أن يختار الصدق بدل الخداع، والرحمة بدل القسوة، والمسؤولية بدل اللامبالاة. وهنا تظهر قيمة أخرى للحياة: أن تكون رحلة لبناء الإنسان من الداخل، لا مجرد محاولة لتحسين موقعه في الخارج. قد يبدو الحديث عن خدمة الآخرين ترفًا في بلد يعاني كل هذا الألم، لكنه في الحقيقة من أكثر الأفكار واقعية. فعندما يعلّم شاب طفلًا محرومًا، أو تساعد امرأة جارتها، أو يرفض موظف استغلال حاجة الناس، أو يجتمع أهل قرية لحل مشكلة مشتركة، فإنهم لا يؤدون أعمالًا صغيرة كما قد يظنون؛ بل يرممون الثقة التي مزقتها سنوات الصراع، ويسهمون بذلك في ترميم المجتمع الذي هم جزء منه.
إن أخطر ما فعلته الحرب بنا ليس تدمير الطرق والمؤسسات فقط، بل إضعاف إحساسنا بأننا ننتمي إلى مصير واحد. صار الآخر يُرى كثيرًا باعتباره منافسًا أو خصمًا أو تابعًا لجماعة مختلفة، وضاقت هوية الإنسان حتى اختُزلت في منطقته أو قبيلته أو مذهبه أو موقفه السياسي. لكن أي وطن لا يستطيع النهوض ما دام أبناؤه ينظرون إلى بعضهم بوصفهم أجزاء متصارعة. لا يمكن بناء استقرار دائم بعقلية المنتصر والمهزوم؛ لأن المجتمع الذي يهزم نصفه يهزم نفسه كاملة. نحن بحاجة إلى وعي يرى اختلاف الناس حقيقة لا تهديدًا، ويرى التنوع مصدرًا للقوة لا ذريعة للإقصاء.
ونحتاج كذلك إلى مراجعة علاقتنا بالحقيقة. ففي زمن الشائعات والتحريض، أصبح كثيرون يصدقون الخبر لأنه يوافق غضبهم، لا لأنه صحيح. وصار الولاء للجماعة أحيانًا أقوى من الولاء للضمير. لذلك فإن إحدى أهم صور الشجاعة اليوم أن يتوقف الإنسان قبل أن يحكم، وأن يسأل قبل أن يردد، وأن يراجع رأيه حتى لو كان موروثًا أو شائعًا. نحن لا نفتقر إلى الكلام، بل إلى الإصغاء. ولا نفتقر إلى الآراء، بل إلى القدرة على البحث عن الصواب بعيدًا عن الرغبة في الانتصار الشخصي. فالحوار الحقيقي ليس ساحة يهزم فيها طرف طرفًا آخر، بل مساحة يضع فيها الجميع أفكارهم على الطاولة، ثم يبحثون عما يخدم المصلحة المشتركة. وربما تبدأ المصالحة حين يدخل الناس الحوار لا لحماية صورهم ومواقفهم، بل لحماية مستقبلهم.
إن تغيير نظرتنا إلى الحياة لا يعني إنكار الألم، ولا مطالبة الجائع بالتفاؤل، ولا تجميل واقع قاس بالكلمات. بل يعني رفض أن يكون هذا الواقع هو المصدر الوحيد لتعريفنا بأنفسنا. فحتى في أحلك الظروف، يبقى للإنسان خيار أخلاقي: أن يزيد الظلام أو يشعل ضوءً، أن يكرر خطاب الكراهية أو يقطع دائرته، أن يعيش لنفسه وحده أو يجعل في حياته مساحة للآخرين.
ربما لا نستطيع أن نغيّر اليمن دفعة واحدة، لكننا نستطيع أن نغيّر الفكرة التي نحملها عن الحياة. وحين تصبح الحياة نموًا وخدمة ومسؤولية مشتركة، فإن الأمل لا يعود انتظارًا لما سيأتي، بل يتحول إلى فعل نمارسه كل يوم.
في زمن النجاة، قد تكون مهمتنا الأهم ألا نسمح للخوف والحاجة والصراع بأن تختصر معنى وجودنا. فنحن لا نحتاج فقط إلى أن نبقى أحياء، بل إلى أن نعرف لماذا نعيش، وكيف نجعل من وجودنا سببًا في أن تصبح حياة الآخرين أكثر كرامة.


















