قد يبدو السؤال صادمًا: لماذا يخشى البعض أن يستقر الجنوب؟ أليس الاستقرار مطلبًا وطنيًا وإنسانيًا؟ نظريًا، نعم. لكن الواقع يقول إن الاستقرار لا يخدم الجميع بالقدر نفسه؛ فهناك من بنى نفوذه وثروته على استمرار الفوضى، ويدرك أن قيام جنوب آمن ومستقر سيكشف الفشل والفساد اللذين احتميا بالحرب، وينهي امتيازات نشأت في غياب الدولة. 
  • الاستقرار يُسقط تجار الحرب 
لم تعد الحرب في اليمن مواجهة عسكرية فحسب، بل تحولت إلى اقتصاد متكامل تزدهر فيه تجارة الوقود والسلاح، والجبايات غير القانونية، والمضاربة بالعملة، والوظائف الوهمية، والعقود المباشرة، والتصرف بالأراضي والأصول العامة. وهذه الأنشطة لا تستمر في وجود دولة تمتلك مؤسسات رقابية وقضاءً مستقلًا وإدارة مالية شفافة.

لذلك، قد لا يكون كل الفشل عجزًا عفويًا؛ فبعضه يتحول إلى «فشل وظيفي» يخدم مصالح محددة. وحين تصبح الفوضى مربحة، لا يعود إنهاؤها أولوية لدى المنتفعين منها. 
  • الاستقرار يعيد بناء المؤسسات 
في البيئة المضطربة، تصبح المؤسسات واجهات شكلية، وتُدار المصالح بالتوجيهات والعلاقات والاستثناءات، وتُوزع المناصب وفق الولاءات. أما الدولة المستقرة فتفرض معايير للتعيين، وموازنات معلنة، ورقابة ومساءلة. وهكذا تنتقل السلطة من الأشخاص إلى المؤسسات، ومن الولاء السياسي إلى الكفاءة المهنية، وهو تحول لا يرحب به من اعتادوا التعامل مع الدولة بوصفها غنيمة. 
  • نجاح الجنوب يكشف زيف الذرائع 
ظل المواطن يسمع أن انهيار الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والمرتبات سببه الحرب والانقسام وضعف الموارد. وهذه عوامل حقيقية، لكنها لا تفسر وحدها استمرار الانهيار. فإذا نجح الجنوب في إدارة موارده بشفافية وتحسين خدماته واستعادة نشاطه الاقتصادي، فسوف يثبت أن المشكلة لم تكن دائماً في غياب الإمكانات، بل في سوء إدارتها والفساد وتعدد مراكز القرار.

كما يسمح الاستقرار للجنوبيين بترتيب أولوياتهم والتعبير عن خياراتهم السياسية؛ فالمجتمع المنهك بالخوف والجوع وصراع البقاء لا يستطيع إدارة نقاش ناضج حول مستقبله. وعندئذ تنتقل القضية الجنوبية من مطلب احتجاجي إلى مشروع قابل للحياة، يخاطب العالم بلغة المؤسسات والإنجاز، لا بلغة المظلومية وحدها. 
  • الاستقرار ينهي الوصاية 
تحتاج الوصاية إلى بيئة مضطربة كي تبرر وجودها؛ فكلما اشتدت الأزمات قيل إن المجتمع غير قادر على إدارة نفسه. أما جنوب مستقر وقادر على إدارة شؤونه، فسيضعف الحجج التي تمنح الآخرين حق تقرير مستقبله، وينقل علاقته بالقوى الإقليمية والدولية من التبعية إلى التعاون والشراكة.

وتزداد أهمية ذلك لأن الجنوب يمتلك موقعًا جيوسياسيًا وموانئ وسواحل وموارد نفطية وغازية وسمكية. استقرار هذه الجغرافيا يعني تحويل الموقع والثروة إلى عناصر قوة لمصلحة السكان؛ أما اضطرابها فيبقيها ساحة للمنافسة ومواردها أوراقاً في حسابات الآخرين. 
  • من يخشى استقرار الجنوب؟ 
يخشاه المستفيد من اللا استقرار، والفاسد الذي تحميه الفوضى، والمسؤول الذي يتولى منصبه بلا كفاءة، والنافذ الذي يستولي على الموارد دون رقابة، والطرف الذي يريد الجنوب تابعًا لا شريكًا، والقوة التي تستخدم معاناة الناس لتحسين موقعها التفاوضي.

لكن لا يجوز اختزال كل إخفاق في مؤامرة؛ فالجنوب يعاني أيضاً انقسامات داخلية، وضعفًا إداريًا، وتضاربًا في الصلاحيات، وفسادًا محليًا، وغيابًا للرؤية الاقتصادية المتكاملة. وعلى القوى الجنوبية أن توضح حدود صلاحياتها، وتقدم نماذج للشفافية، وتحارب الفساد داخل مؤسساتها؛ فالقضية العادلة لا تمنح حامليها حصانة من النقد. 
  • الاستقرار مشروع دولة 
لا يتحقق الاستقرار بالشعارات أو الإجراءات الأمنية وحدها، بل بتوحيد القرار، وتفعيل المؤسسات، وإخضاع الإيرادات والمصروفات للشفافية، وانتظام المرتبات، وحماية القضاء، وبناء أجهزة أمنية مهنية، وإشراك محافظات الجنوب ومكوناته في صناعة المستقبل.

كما يتطلب الانتقال إلى خطاب الدولة: ما شكل الدولة المنشودة؟ كيف ستدار الموارد؟ وما ضمانات التعددية والمواطنة؟ فالجنوب لن ينتصر لمجرد أن قضيته عادلة، بل حين يثبت أن مشروعه أكثر عدلًا وكفاءة وقدرة على صناعة حياة كريمة.

لنسأل أنفسنا ماذا فعلنا لجعل الاستقرار ممكنًا؟ فالاستقرار لن يكون هدية من الخارج، بل مسؤولية جنوبية تُبنى بالإدارة الرشيدة، ووحدة الهدف، وسيادة القانون، ونظافة اليد، وتحويل الأرض والثروة والإرادة الشعبية إلى دولة تحمي الإنسان وتصون كرامته.