> جمال شنيتر:
باتجاه وادي حجر، أحد أكبر الأودية الزراعية في محافظة حضرموت، تبدأ الرحلة من المكلا، عاصمة المحافظة، عبر طريق أسفلتي يمتد لأكثر من 200 كيلومتر، يشق تضاريس جبلية وعرة قبل أن ينفتح على واحة خضراء تتزاحم فيها نحو 3 ملايين نخلة، في مشهد يختزل تاريخ الوادي الزراعي.

يعبر الطريق إلى قلب الوادي سلسلة من المنعطفات الجبلية الحادة، أبرزها عقبة حوته، قبل أن تتبدل الصخور تدريجاً إلى بساتين نخيل مترامية تمتد على جانبي الطريق، في لوحة طبيعية تعكس الخصوبة التي اشتهر بها الوادي منذ قرون.
وخلال الطريق، لم يتوقف هاني عن الحديث بشغف عن وادي حجر الذي يصفه بـ"وادي الحياة"، موضحاً أن آلاف الأسر تعتمد بصورة مباشرة على زراعة النخيل وإنتاج التمور، التي تمثل النشاط الاقتصادي الرئيس لسكان القرى الممتدة على ضفتي الوادي.

وتضمن الافتتاح عروضاً تراثية وفنية جسدت الموروث الشعبي لوادي حجر، قبل افتتاح الأسواق المصاحبة التي عرضت منتجات التمور والصناعات التقليدية والمشغولات اليدوية، إضافة إلى منتجات مستخلصة من مختلف أجزاء النخلة.

وتتصدر أصناف السقطري مزارع الوادي، إذ تمثل نحو 90 في المئة من أشجار النخيل، إلى جانب أصناف أخرى مثل البقال والزجاج.
ويضيف "وادي حجر يمتلك مقومات كبيرة لزراعة النخيل، لكنه يحتاج إلى مزيد من الدعم الفني والزراعي، ومن أبرز المشكلات التي تواجه المزارعين ضعف التسويق، إضافة إلى الحاجة لتأهيل الكوادر الزراعية وتعزيز مكافحة الآفات وتحسين إنتاجية النخيل".
ويشدد حسان على أهمية الاستفادة من جميع منتجات النخلة، وليس التمور فحسب، موضحاً أن السعف والجريد يمكن أن يدخلا في صناعة الأثاث والأدوات المنزلية، بينما تستخدم الجذوع في أعمال البناء، ويُستفاد من نوى التمر بعد طحنه في إنتاج أعلاف الماشية، داعياً إلى تنظيم برامج تدريبية متخصصة لرفع كفاءة المزارعين والاستفادة القصوى من هذه الثروة الزراعية.

وتنتشر على ضفتيه عشرات القرى الزراعية، أبرزها الجول والصدارة وجزول وكنينه والحصين والصباحة والرياض، فيما يقدر عدد أشجار النخيل فيه بنحو 3 ملايين نخلة، تشكل المورد الاقتصادي الرئيس لآلاف السكان، بحسب السلطة المحلية في المديرية.
ويقول الشاذلي في حديث إلى"إندبندنت عربية" إن إعصار "تشابالا" شكل نقطة تحول في دورة إنتاج النخيل، بعدما أحدث تغيرات بيئية أثرت في مواعيد الإثمار وجودة المحصول، إلى جانب التغيرات المناخية التي تسببت في تأخر مواسم الأمطار وتراجع كميات المياه الواصلة إلى الأراضي الزراعية.
ويضيف أن موسم"الخريف"، الذي كان يبدأ تقليدياً في فبراير، أصبح يتأخر إلى مارس، وأحيانًا إلى أبريل، وهو ما انعكس مباشرة على الإنتاج، مشيراً إلى أن محصول الموسم الحالي تراجع بنحو 50 في المئة مقارنة ببعض المواسم السابقة.
ولا تقتصر التحديات على المناخ، بحسب الشاذلي، إذ تواجه الزراعة أيضاً ارتفاعاً في أسعار الحرث والآليات الزراعية والأسمدة، فضلاً عن عزوف كثير من المزارعين عن غرس فسائل جديدة لتحل محل النخيل المتقدم في العمر، بما يهدد استدامة هذه الثروة الزراعية.
ويضيف أن نقل الإنتاج إلى المكلا أو الشحر يرفع كلف النقل والتخزين، بينما يستفيد الوسطاء من فارق الأسعار بإعادة تسويق التمور خلال شهر رمضان بأضعاف قيمتها.
ويرى أن معالجة هذه المشكلة تبدأ بإنشاء مصانع حديثة لتعبئة التمور، وتوفير ثلاجات ومخازن تبريد داخل الوادي، إلى جانب تحسين شبكة الطرق وخفض كلف النقل، بما يمنح المنتج المحلي قدرة أكبر على المنافسة.
ويضيف أن الوادي يضم 24 قناة ري، لكن معظمها في حاجة إلى إعادة تأهيل، فيما لم يصلح سوى عدد محدود من الحواجز المائية.
ويؤكد أن إنشاء سد في أعلى الوادي يمثل أحد أهم المشاريع الاستراتيجية المطلوبة، لما سيوفره من تنظيم لمياه السيول، والحد من انجراف التربة وزيادة كفاءة الري وتعزيز المخزون المائي الذي تعتمد عليه الزراعة.
وعلى رغم تلك التحديات، يلفت إلى أن وادي حجر لا يزال يتمتع بميزة مهمة تتمثل في خلوه من حشرة الدوباس التي أصابت مزارع النخيل في مناطق أخرى من حضرموت، موضحًا أن الجهات الزراعية اتخذت إجراءات احترازية صارمة، من بينها منع إدخال فسائل النخيل من خارج المديرية، حفاظاً على الوضع الصحي للنخيل ومنع انتقال الآفات والأمراض.
ويختم الشاذلي حديثه بالتأكيد أن مستقبل وادي حجر مرهون باستثمار حقيقي في القطاع الزراعي يبدأ بإصلاح قنوات الري، ودعم الجمعيات الزراعية وتوفير المعدات والأسمدة بأسعار مناسبة وتشجيع المزارعين على غرس فسائل جديدة، وصولًا إلى إنشاء مشاريع للتخزين والتعبئة والتصنيع، بما يحول النخلة من مورد تقليدي إلى ركيزة للتنمية الاقتصادية في حضرموت.
فبين الحاجة إلى إنشاء السدود وتأهيل قنوات الري وتطوير منظومة التخزين والتعبئة ودعم المزارعين بالخبرة والتمويل، تبرز فرصة حقيقية لتحويل وادي حجر إلى نموذج للتنمية الزراعية المستدامة.
وأثناء مغادرتنا الوادي، كانت صفوف النخيل تمتد على جانبي الطريق كما استقبلتنا في بداية الرحلة. التفت هاني الصبر، رفيق الطريق، وقال "النخلة هنا ليست مجرد زرع... إنها حياة".
ربما تختصر هذه العبارة رسالة المهرجان بأكملها، فـ"من النخلة تبدأ الحكاية"، لكنها لن تستمر إلا إذا أصبحت هذه الثروة أولوية في خطط التنمية، قبل أن تكتب التغيرات المناخية فصلاً مختلفاً من قصة وادي حجر العريق.
"إندبندنت عربية"
في بلدة ميفع، انضم إلينا الشاب الثلاثيني هاني الصبر طالباً مرافقتنا إلى الوادي. رحبنا به سريعاً، إذ بدا منذ اللحظة الأولى خير دليل لهذه الرحلة، خصوصاً أنه يعرف المنطقة بتفاصيلها، وكان متجهاً إلى حضور النسخة الثالثة من مهرجان خريف حجر، بعدما حالت ظروفه دون مشاركته في النسخة السابقة.

يعبر الطريق إلى قلب الوادي سلسلة من المنعطفات الجبلية الحادة، أبرزها عقبة حوته، قبل أن تتبدل الصخور تدريجاً إلى بساتين نخيل مترامية تمتد على جانبي الطريق، في لوحة طبيعية تعكس الخصوبة التي اشتهر بها الوادي منذ قرون.
وخلال الطريق، لم يتوقف هاني عن الحديث بشغف عن وادي حجر الذي يصفه بـ"وادي الحياة"، موضحاً أن آلاف الأسر تعتمد بصورة مباشرة على زراعة النخيل وإنتاج التمور، التي تمثل النشاط الاقتصادي الرئيس لسكان القرى الممتدة على ضفتي الوادي.
- مهرجان يحتفي بالنخلة
وعلى رغم صغر البلدة بدا الحضور الجماهيري لافتاً، حيث توافد الزوار من مختلف قرى الوادي إلى جانب مشاركين قدموا من مديريات ومحافظات أخرى، في مشهد يعكس المكانة التي بات يحتلها المهرجان بوصفه مناسبة اقتصادية وثقافية واجتماعية.

وتضمن الافتتاح عروضاً تراثية وفنية جسدت الموروث الشعبي لوادي حجر، قبل افتتاح الأسواق المصاحبة التي عرضت منتجات التمور والصناعات التقليدية والمشغولات اليدوية، إضافة إلى منتجات مستخلصة من مختلف أجزاء النخلة.
ويشتهر الوادي بإنتاج التمر الحجري، الذي يعد من أجود أنواع التمور في اليمن بفضل قيمته الغذائية العالية واحتوائه على نسب مرتفعة من السكريات الطبيعية والألياف والمعادن ومضادات الأكسدة، فضلاً عن مكانته الراسخة في الغذاء المحلي.

وتتصدر أصناف السقطري مزارع الوادي، إذ تمثل نحو 90 في المئة من أشجار النخيل، إلى جانب أصناف أخرى مثل البقال والزجاج.
- خبرات زراعية لدعم الوادي
ويضيف "وادي حجر يمتلك مقومات كبيرة لزراعة النخيل، لكنه يحتاج إلى مزيد من الدعم الفني والزراعي، ومن أبرز المشكلات التي تواجه المزارعين ضعف التسويق، إضافة إلى الحاجة لتأهيل الكوادر الزراعية وتعزيز مكافحة الآفات وتحسين إنتاجية النخيل".
ويشدد حسان على أهمية الاستفادة من جميع منتجات النخلة، وليس التمور فحسب، موضحاً أن السعف والجريد يمكن أن يدخلا في صناعة الأثاث والأدوات المنزلية، بينما تستخدم الجذوع في أعمال البناء، ويُستفاد من نوى التمر بعد طحنه في إنتاج أعلاف الماشية، داعياً إلى تنظيم برامج تدريبية متخصصة لرفع كفاءة المزارعين والاستفادة القصوى من هذه الثروة الزراعية.
- 3 ملايين نخلة
يمتد وادي حجر من حدود محافظة شبوة شمالًا حتى ساحل بحر العرب جنوباً، وتنتهي مياهه عند منطقة ميفع، ويعد من الأودية النادرة في اليمن التي تجري فيها المياه على مدار العام.

وتنتشر على ضفتيه عشرات القرى الزراعية، أبرزها الجول والصدارة وجزول وكنينه والحصين والصباحة والرياض، فيما يقدر عدد أشجار النخيل فيه بنحو 3 ملايين نخلة، تشكل المورد الاقتصادي الرئيس لآلاف السكان، بحسب السلطة المحلية في المديرية.
- تراجع الإنتاج... المناخ وكلف الزراعة
ويقول الشاذلي في حديث إلى"إندبندنت عربية" إن إعصار "تشابالا" شكل نقطة تحول في دورة إنتاج النخيل، بعدما أحدث تغيرات بيئية أثرت في مواعيد الإثمار وجودة المحصول، إلى جانب التغيرات المناخية التي تسببت في تأخر مواسم الأمطار وتراجع كميات المياه الواصلة إلى الأراضي الزراعية.
ويضيف أن موسم"الخريف"، الذي كان يبدأ تقليدياً في فبراير، أصبح يتأخر إلى مارس، وأحيانًا إلى أبريل، وهو ما انعكس مباشرة على الإنتاج، مشيراً إلى أن محصول الموسم الحالي تراجع بنحو 50 في المئة مقارنة ببعض المواسم السابقة.
ولا تقتصر التحديات على المناخ، بحسب الشاذلي، إذ تواجه الزراعة أيضاً ارتفاعاً في أسعار الحرث والآليات الزراعية والأسمدة، فضلاً عن عزوف كثير من المزارعين عن غرس فسائل جديدة لتحل محل النخيل المتقدم في العمر، بما يهدد استدامة هذه الثروة الزراعية.
- التسويق.. الحلقة الأضعف
ويضيف أن نقل الإنتاج إلى المكلا أو الشحر يرفع كلف النقل والتخزين، بينما يستفيد الوسطاء من فارق الأسعار بإعادة تسويق التمور خلال شهر رمضان بأضعاف قيمتها.
ويرى أن معالجة هذه المشكلة تبدأ بإنشاء مصانع حديثة لتعبئة التمور، وتوفير ثلاجات ومخازن تبريد داخل الوادي، إلى جانب تحسين شبكة الطرق وخفض كلف النقل، بما يمنح المنتج المحلي قدرة أكبر على المنافسة.
- المياه... مشروع ينتظر التنفيذ
ويضيف أن الوادي يضم 24 قناة ري، لكن معظمها في حاجة إلى إعادة تأهيل، فيما لم يصلح سوى عدد محدود من الحواجز المائية.
ويؤكد أن إنشاء سد في أعلى الوادي يمثل أحد أهم المشاريع الاستراتيجية المطلوبة، لما سيوفره من تنظيم لمياه السيول، والحد من انجراف التربة وزيادة كفاءة الري وتعزيز المخزون المائي الذي تعتمد عليه الزراعة.
وعلى رغم تلك التحديات، يلفت إلى أن وادي حجر لا يزال يتمتع بميزة مهمة تتمثل في خلوه من حشرة الدوباس التي أصابت مزارع النخيل في مناطق أخرى من حضرموت، موضحًا أن الجهات الزراعية اتخذت إجراءات احترازية صارمة، من بينها منع إدخال فسائل النخيل من خارج المديرية، حفاظاً على الوضع الصحي للنخيل ومنع انتقال الآفات والأمراض.
ويختم الشاذلي حديثه بالتأكيد أن مستقبل وادي حجر مرهون باستثمار حقيقي في القطاع الزراعي يبدأ بإصلاح قنوات الري، ودعم الجمعيات الزراعية وتوفير المعدات والأسمدة بأسعار مناسبة وتشجيع المزارعين على غرس فسائل جديدة، وصولًا إلى إنشاء مشاريع للتخزين والتعبئة والتصنيع، بما يحول النخلة من مورد تقليدي إلى ركيزة للتنمية الاقتصادية في حضرموت.
- رسالة المهرجان
فبين الحاجة إلى إنشاء السدود وتأهيل قنوات الري وتطوير منظومة التخزين والتعبئة ودعم المزارعين بالخبرة والتمويل، تبرز فرصة حقيقية لتحويل وادي حجر إلى نموذج للتنمية الزراعية المستدامة.
وأثناء مغادرتنا الوادي، كانت صفوف النخيل تمتد على جانبي الطريق كما استقبلتنا في بداية الرحلة. التفت هاني الصبر، رفيق الطريق، وقال "النخلة هنا ليست مجرد زرع... إنها حياة".
ربما تختصر هذه العبارة رسالة المهرجان بأكملها، فـ"من النخلة تبدأ الحكاية"، لكنها لن تستمر إلا إذا أصبحت هذه الثروة أولوية في خطط التنمية، قبل أن تكتب التغيرات المناخية فصلاً مختلفاً من قصة وادي حجر العريق.
"إندبندنت عربية"














