ثمة مشاهد لا ينبغي أن يعتادها الضمير الإنساني، ومع ذلك أصبحت جزءا من نشرات الأخبار اليومية، طفل يلفظه البحر، أم تحتضن أبناءها داخل خيمة لا تقي بردا ولا مطرا، أب يقف على حدود دولة لا يطلب مالا ولا امتيازا، بل يطلب حقا واحدا فقط، أن يعيش.

هنا لا نتحدث عن أرقام، بل عن الإنسانية وهي تُختبر كل يوم.

فاللجوء ليس قرارا يتخذه الإنسان بكامل إرادته، بل هو القرار الذي تفرضه عليه الحروب حين تصادر الأمان، ويصنعه الاستبداد حين يخنق الحرية، ويكرسه الفقر عندما تتحول لقمة العيش إلى معركة يومية، ويعمقه انهيار الدولة حين يصبح القانون عاجزا عن حماية مواطنيه.

لم يُخلق الإنسان ليعيش لاجئا، ولم يولد طفل وفي يده بطاقة نزوح أو ملف لجوء. لقد خلق الله الإنسان ليعيش آمنا في وطنه، لكن العالم كثيرا ما يفشل في حماية هذا الحق البديهي، فيغدو الرحيل هو الخيار الوحيد، لا لأنه الأفضل، بل لأنه الأقل قسوة.

لقد جاء القانون الدولي بعد مآسي الحروب الكبرى ليعلن مبدأً خالدا.

أن الإنسان لا يفقد حقوقه لأنه فقد وطنه، ومن هنا نشأت منظومة الحماية الدولية للاجئين، لتؤكد أن الكرامة الإنسانية لا تقف عند الحدود، وأن حماية الفار من الاضطهاد ليست تفضّلا من دولة، بل التزام قانوني وأخلاقي.

غير أن المؤلم هو أن المسافة بين النصوص القانونية والواقع أصبحت شاسعة ، فبينما تتحدث المواثيق عن الكرامة، يتحدث البحر كل يوم عن الغرق. وبينما تؤكد الاتفاقيات مبدأ الحماية، تؤكد الحدود المغلقة أن السياسة كثيرا ما تنتصر على العدالة.

أما الهجرة غير النظامية، فلا ينبغي اختزالها في مخالفة قانونية مجردة، فهي غالبا النتيجة الطبيعية لفشل طويل في معالجة الأسباب التي تدفع الإنسان إلى الفرار. فمن الظلم أن نُدين من ركب البحر، وأن نصمت عن الذين دفعوه إليه. فالضحية لا ينبغي أن تتحول إلى متهم، ولا يجوز أن يُختزل الإنسان في وصف "مهاجر غير شرعي" بينما تُطمس خلف هذا الوصف قصة حرب، أو جوع، أو اضطهاد، أو انهيار وطن.

ولعل أخطر ما كشفته هذه الظاهرة هو اتساع نفوذ شبكات تهريب البشر والاتجار بهم، تلك العصابات التي تتغذى على اليأس، وتحول أحلام البسطاء إلى تجارة سوداء، مستفيدة من غياب المسارات القانونية الآمنة، ومن عجز المجتمع الدولي عن بناء حلول جذرية.

إن معالجة اللجوء والهجرة لا تبدأ عند السواحل، ولا تنتهي عند مراكز الاستقبال. إنها تبدأ داخل الأوطان، حين يسود العدل، وتُحترم الكرامة، وتُصان الحريات، ويشعر المواطن أن القانون يحميه لا يخذله. فالدولة التي تصون حقوق مواطنيها لا تدفعهم إلى الهجرة، والوطن الذي يحتضن أبناءه لا يرسلهم إلى قوارب الموت.

إن الإنسانية لا تُقاس بعدد الاتفاقيات التي توقعها الدول، بل بعدد الأرواح التي تنجح في حمايتها. ولا قيمة لأي نظام قانوني إذا عجز عن حماية الإنسان في أكثر لحظات ضعفه.

ويبقى السؤال الذي سيظل شاهدا على ضمير هذا العصر.

من الذي قتل الطفل الذي ابتلعه البحر؟

هل قتله الموج؟

أم الحرب؟

أم الفقر؟

أم المهرّب؟

أم عالم رأى المأساة، ثم اكتفى بإصدار البيانات؟

إن الإجابة الصادقة لا تُحمّل المسؤولية لطرف واحد، بل تكشف إخفاقا جماعيا في الوفاء بأقدس التزام عرفته البشرية حماية الإنسان.

وسيكتب التاريخ أن أكبر مأساة في هذا القرن لم تكن الهجرة، بل أن ملايين البشر اضطروا إلى البحث عن وطن يمنحهم ما كان ينبغي أن يجدوه في أوطانهم: الأمن، والكرامة، والعدالة.

فحين يُجبر الإنسان على حمل وطنه في ذاكرته بدل أن يحمله في قلبه، فاعلم أن الأزمة لم تعد أزمة لاجئين، بل أزمة ضمير إنساني فقد بوصلته.

* مدير وحدة قضايا اللاجئين والمهاجرين والدراسات القانونية بمكتب حق للمحاماة واعمال القانون

رئيس شبكة"محامون ضد الفساد"