في اليمن لم يعد المدني يبحث عن حياة أفضل، بل يبحث عن مكان ينجو فيه من الموت.
مع كل موجة تصعيد، تُقتلع أسر من بيوتها، يُحرم أطفال من مدارسهم، ويتحول المدني إلى ضحية لحرب لم يخترها.
خلف كل رقم في تقارير النزوح إنسان فقد بيته وأمنه ومصدر رزقه، وحمل أطفاله نحو المجهول.
النزوح ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر .. إنه اقتلاع للإنسان من حياته.
والأشد ألمًا أن تتحول هذه المأساة إلى مشهد معتاد، وأن تصبح معاناة المدنيين مجرد أرقام في البيانات.
لكن القانون لا يكتفي بالإدانة.
حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة التزام قانوني، وأي انتهاك محتمل يستوجب التوثيق والتحقيق والمساءلة. ومن حق الضحايا معرفة الحقيقة، والوصول إلى العدالة، وجبر الضرر، ومن واجب الجهات المختصة التحقيق في الوقائع ومحاسبة من تثبت مسؤوليته وفق القانون.
لا ينبغي أن تكون الحرب ستارًا للجريمة، ولا أن يتحول طول النزاع إلى حصانة، ولا أن تصبح الضحية رقمًا بلا حق.
إن المطلوب اليوم واضح وقف التصعيد، حماية المدنيين، ضمان وصول المساعدات، وتوثيق كل انتهاك، وفتح تحقيقات مستقلة وشفافة، وحفظ الأدلة، وملاحقة كل من تثبت مسؤوليته أمام القضاء المختص، دون حصانة أو انتقائية أو إفلات من العقاب.
كلمة أخيرة
إن حماية المدنيين ليست موقفًا أخلاقيًا فحسب، بل واجب قانوني لا يجوز تعطيله تحت أي ذريعة.
وعليه، فإنني أدعو إلى تشكيل آليات مستقلة وفعالة لتوثيق الانتهاكات والتحقيق فيها، وإحالة المسؤولين عنها إلى القضاء المختص، وضمان حقوق الضحايا في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، وعدم السماح بأن تتحول التسويات السياسية إلى غطاء لإفلات مرتكبي الانتهاكات من المساءلة.
فلا يجوز أن يُطلب من الضحية أن تنسى قبل أن تعرف الحقيقة، ولا أن يُطلب من القانون أن يصمت حين تُنتهك الحقوق.
الحرب لا تمنح أحدا رخصة لارتكاب الانتهاكات، والسلطة لا تمنح أحدا حصانة من المساءلة.
فالمدني ليس هدفا، والنازح ليس رقما، والضحية ليست ملفا يُغلق بالنسيان ومن يرتكب انتهاكًا يثبت قانونًا، يجب أن يُحاسب عليه.
لا سلام بلا حماية، ولا حماية بلا قانون، ولا قانون بلا عدالة ومساءلة.
* رئيس شبكة محامون ضد الفساد