في تقديري، لا تبدو الحرب الراهنة في اليمن مرشحة للاستمرار لفترة طويلة، وقد لا تكون سوى جولة جديدة من التصعيد العسكري، تشبه في مسارها جولات سابقة سرعان ما انتهت بالعودة إلى حالة «اللاحرب واللاسلم»، دون أن يتمكن أي طرف من حسم المعركة أو فرض تسوية نهائية.

وهذا التقدير لا يستند إلى قراءة عابرة للمشهد، بقدر ما يرتبط بعدد من المؤشرات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي سبقت الجولة الحالية وتكشف، في مجملها أن الطريق نحو حرب شاملة وطويلة لا يزال محفوفاً بالكثير من علامات الاستفهام. 
  • النفط.. ورقة تفاوضية لم تستخدم 
يأتي ملف النفط في مقدمة هذه المؤشرات فقد أعلنت الحكومة الشرعية في وقت سابق توجهها نحو استئناف تصدير النفط، باعتباره أحد أهم الموارد التي يمكن أن تسهم في إنقاذ الوضع الاقتصادي والمالي المتدهور.

لكن هذا التوجه لم يتحول حتى الآن إلى واقع عملي، في ظل استمرار ما يعرف بحالة «القوة القاهرة» التي تعيق استئناف عمليات التصدير ، واللافت أن الحكومة رغم الضغوط المالية الكبيرة التي تواجهها ووصولها إلى مرحلة صعبة انعكست على قدرتها حتى في الوفاء بالتزاماتها المالية ورواتب موظفيها، لم توظف ورقة النفط بصورة واضحة في سياق التفاوض، كأن تربط استئناف التصدير بعودة النشاط الطبيعي في ميناء الحديدة، باعتبار أن الملفات الاقتصادية والملاحية يمكن أن تكون جزءًا من تفاهم أوسع يخفف حدة التصعيد.

وهنا يبرز السؤال: إذا كانت الظروف الاقتصادية قد بلغت هذه الدرجة من الصعوبة، فلماذا لم تتحول ورقة النفط إلى أداة تفاوضية أكثر فاعلية؟ 
  • مطار صنعاء..مؤشر آخر على استمرار قنوات الاتصال 
المؤشر الثاني يتعلق بمطار صنعاء فعلى الرغم من التصعيد العسكري، لم تظهر وفق المعطيات المتاحة مؤشرات واضحة على وجود توجه حقيقي لإغلاق المطار بصورة دائمة أو التعامل معه باعتباره هدفا ينبغي تعطيل نشاطه بالكامل.

بل إن الحديث عن عروض لاستئناف الرحلات الجوية بين صنعاء وعمّان عبر الملكية الأردنية يعكس استمرار التعامل مع المطار باعتباره منفذا يمكن أن يظل مفتوحًا أمام الحركة المدنية حتى في ظل استمرار المواجهة العسكرية.

وهذا بحد ذاته يحمل دلالة سياسية إذ إن استمرار بعض القنوات المدنية والإنسانية والملاحية، حتى في أوقات التصعيد، يعني أن أطراف الصراع لا تزال تترك مساحات يمكن أن تُستخدم لاحقا للعودة إلى التهدئة أو التفاوض. 
  • الاستعداد العسكري..بين الخطاب والقدرة على الحسم 
أما المؤشر الثالث، فهو الجانب العسكري خلال الفترة الماضية تصاعد الحديث عن استعدادات عسكرية لقوات الحكومة الشرعية، وعن تحركات وتجهيزات قد تسبق عملية واسعة باتجاه صنعاء، بل إن بعض الخطابات السياسية والإعلامية أوحت بأن معركة حاسمة قد تكون على الأبواب.

لكن الاختبار الحقيقي لأي استعداد عسكري لا يكون في البيانات والتصريحات وإنما في القدرة على تحويلها إلى فعل ميداني واسع ومنظم.

ومع أولى العمليات العسكرية التي نفذها الحوثيون في هذه الجولة، بدا أن القدرة على الرد الهجومي الواسع لا تزال محدودة سواء من حيث حجم القوة البشرية، أو الجاهزية، أو القدرة على تنفيذ عمليات مركبة يمكن أن تغيّر قواعد الاشتباك على الأرض.

وهذا لا يعني بالضرورة غياب القدرة العسكرية لدى الأطراف لكنه يجعل الحديث عن حرب طويلة تنتهي بمعركة فاصلة أو حسم عسكري شامل أقرب، حتى الآن إلى التوقعات والرغبات منه إلى مؤشرات ميدانية حاسمة. 
  • بين التصعيد والحسم..ماذا ينتظر اليمن؟ 
المشكلة أن اليمن عاش خلال السنوات الماضية نمطًا متكررا من التصعيد: ترتفع حدة المواجهات، تتصاعد التصريحات، تتحرك الجبهات لفترة، ثم تتدخل الحسابات السياسية والإقليمية والدولية لتعيد الجميع إلى مربع التهدئة، دون أن يتمكن أي طرف من تحقيق نصر نهائي.

ولهذا فإن الجولة الحالية قد لا تكون استثناء من هذا المسار، ما لم تظهر متغيرات جوهرية تقلب المعادلة السياسية والعسكرية والاقتصادية.

فالحرب الشاملة تحتاج إلى أكثر من الرغبة في خوضها؛د تحتاج إلى قدرة اقتصادية على تمويلها، وقرار سياسي واضح، وجاهزية عسكرية تسمح بخوض معارك طويلة، وغطاء إقليمي ودولي، إضافة إلى قدرة حقيقية على تحمل تبعاتها.

وحتى الآن، لا تبدو جميع هذه العناصر مكتملة بالقدر الذي يسمح بالقول إن اليمن دخل بالفعل مرحلة حرب فاصلة وطويلة.

قد يكون هذا التحليل مخطئا، وقد تحمل الأيام المقبلة تطورات تغير المشهد بصورة جذرية وتدفع البلاد نحو مواجهة أوسع مما نتوقع.

لكن بناءً على المؤشرات الحالية، أميل إلى الاعتقاد بأن التصعيد الراهن قد يكون جولة مؤقتة أخرى، يعقبها كما حدث في مرات سابقة انتقال إلى مرحلة من «اللاحرب واللاسلم»، حيث لا تتوقف الحرب تمامًا ولا تبدأ معركة الحسم.

وفي كل الأحوال، يبقى الأمل أن يكون هذا التقدير خاطئاً وأن تحمل المرحلة المقبلة ما هو أفضل لليمنيين سواء عبر تسوية سياسية حقيقية تنهي الحرب أو عبر مسار يفضي إلى سلام مستدام يضع حداً لدائرة التصعيد التي استنزفت البلاد وشعبها طوال سنوات طويلة.