تأتي إعادة قراءة مخرجات الحوار الوطني الجنوبي اليوم في ظرف سياسي مختلف عن ذلك الذي انعقد فيه اللقاء التشاوري في عدن خلال الفترة من 4 إلى 8 مايو 2023. فقد شهدت القضية الجنوبية خلال السنوات الأخيرة تحولات سياسية وميدانية عميقة، وأصبح المشروع الوطني الجنوبي أمام استحقاقات وتحديات تتطلب وضوحًا أكبر في الرؤية، وقدرة أعلى على ترتيب الأولويات، والانتقال من إدارة الأحداث إلى بناء الخيارات والاستراتيجيات.
وفي مثل هذه الظروف تزداد أهمية العودة إلى ما أُنجز من وثائق وطنية، لا باعتبارها نصوصًا جامدة أو مواقف سياسية مرتبطة بمرحلة بعينها، وإنما باعتبارها أساسًا يمكن مراجعته وتطويره والبناء عليه. فالتغيرات التي تطرأ على الواقع السياسي لا تعني أن يبدأ العمل الوطني من الصفر في كل مرة، بل تفرض إعادة النظر في الأدوات والسياسات في ضوء المتغيرات، مع الحفاظ على ما تم التوافق عليه من أسس ومبادئ.
ويلاحظ أن الحديث عن مخرجات الحوار الوطني الجنوبي كثيرًا ما يُختزل في الميثاق الوطني الجنوبي، حتى أصبح يُوصف أحيانًا بأنه دستور الجنوب أو الوثيقة المرجعية للدولة الجنوبية المستقبلية. ومع أهمية الميثاق ومكانته السياسية، فإن هذا التوصيف يعكس فهمًا قاصرًا لطبيعته ووظيفته، كما لا يعبر بصورة دقيقة عن طبيعة المنجز الذي خرج به اللقاء التشاوري، ويحجب في الوقت نفسه أهمية بقية الوثائق التي تمثل، إلى جانبه، بناءً فكريًا وسياسيًا متكاملًا.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة فهم هذه المخرجات، ليس بهدف إنتاج وثائق جديدة، وإنما لفهم وظيفة كل وثيقة وموقعها في المشروع الوطني، وتحديد كيفية تطويرها وتحويل مضامينها إلى استراتيجيات وسياسات وممارسات مؤسسية تستجيب للمرحلة الراهنة وتخدم الاستعداد لبناء الدولة.
فالـميثاق الوطني الجنوبي هو، في جوهره، وثيقة توافق سياسي وشراكة وطنية، تسعى إلى توفير أرضية مشتركة للعلاقة بين القوى والمكونات والفعاليات الجنوبية، وترسيخ مبادئ ومفاهيم العمل الوطني المشترك وإدارة الاختلاف في إطار جامع. وهذه الوظيفة تختلف عن وظيفة الدستور؛ فالدستور ينظم الدولة وسلطاتها ومؤسساتها وحقوق مواطنيها، بينما يعالج الميثاق بصورة أساسية العلاقة السياسية والوطنية بين القوى التي تتشارك في المشروع الوطني وتتوافق حول المبادئ التي يتضمنها.
ومن ثم فإن أهمية الميثاق لا تكمن في تحويله إلى دستور، وإنما في احترام وظيفته وتفعيله باعتباره إطارًا للتوافق والشراكة بين الأحزاب والمكونات السياسية الجنوبية، والاستفادة منه في استمرار الحوار الوطني وتوسيع دائرة المشاركة فيه، بما يتيح للقوى والمكونات التي لم تشارك في اللقاء التشاوري أن تكون جزءًا من عملية تطوير التوافق الوطني.
أما وثيقة الاتجاهات الرئيسية لإدارة المرحلة الراهنة، فهي تجيب عن سؤال أكثر ارتباطًا بالعمل الوطني المباشر: ماذا ينبغي أن ينجز الجنوب خلال المرحلة التي تسبق قيام الدولة؟
فالمرحلة الانتقالية لا ينبغي أن تكون مجرد فترة انتظار للحظة إعلان الدولة، أو فترة تحتكم إلى الشعارات، وإنما مرحلة إعداد حقيقية لاستقبالها، من خلال بناء المؤسسات والهياكل والقدرات البشرية والإدارية والمالية والقانونية والأمنية، وإعداد السياسات اللازمة لإدارة الدولة ومرافقها. ومن هنا يمكن تطوير هذه الوثيقة إلى استراتيجية لإدارة المرحلة الراهنة، تحدد الأولويات والمهام والجهات المسؤولة والبرامج وآليات المتابعة والتقييم، بحيث تتحول المرحلة الانتقالية إلى مرحلة بناء واستعداد للدولة الجنوبية القادمة.
أما وثيقة اتجاهات أسس بناء الدولة الفيدرالية الجنوبية، فهي تتصل بالأسس والفلسفة التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة الجنوبية المستقبلية، بعد تطوير هذه الاتجاهات وتحويلها إلى وثيقة استراتيجية وإطار مرجعي لبناء الدولة. وعلى ضوء هذا الإطار يمكن صياغة التصور العام لشكل الدولة ونظامها السياسي والفيدرالي، وتوزيع السلطات والاختصاصات، والعلاقة بين مستويات الحكم، وإدارة الموارد، والحقوق والحريات، واستقلال القضاء، ومبادئ الحكم الرشيد، ومؤسسات الدولة وآليات إدارتها ورقابتها.
وعلى أساس هذه الرؤية تُبنى العملية الدستورية، بحيث يستند الدستور إلى تصور واضح للدولة المراد بناؤها، ثم تأتي القوانين لترجمة المبادئ الدستورية إلى قواعد تنظم مؤسسات الدولة ومرافقها واختصاصاتها. ولذلك فإن استكمال صياغة هذه الوثيقة وتطويرها يمثلان خطوة أساسية في بناء الإطار الدستوري والقانوني للدولة الجنوبية.
أما وثيقة أسس ومبادئ التفاوض حول مستقبل القضية الجنوبية، فتتصل بالمسار السياسي والتفاوضي الذي يمكن أن تواجهه القضية الجنوبية في أي تسوية مستقبلية. ويمكن تطويرها إلى استراتيجية تفاوض وطنية تحدد المصالح العليا والأهداف التفاوضية، وما يمكن التفاوض بشأنه وما يمثل ثوابت وطنية، وآليات اتخاذ القرار، وتشكيل فريق التفاوض، والاستعانة بالخبرات القانونية والسياسية والفنية اللازمة.
وبذلك تتضح طبيعة هذه الوثائق وتكامل وظائفها؛ فهي لا تؤدي وظيفة واحدة حتى تحل إحداها محل الأخرى، وإنما تشكل في مجموعها أساسًا يمكن البناء عليه في إدارة المرحلة، وتعزيز التوافق الوطني، والاستعداد لبناء الدولة، وإدارة المسار التفاوضي حول مستقبل القضية الجنوبية.
لكن قيمة هذه الوثائق لا تقاس بما تتضمنه من أفكار فقط، وإنما بقدرتها على التأثير في صناعة القرار وتوجيه العمل. فالوثيقة التي تبقى في إطار الاستشهاد السياسي تفقد جزءًا كبيرًا من وظيفتها، بينما تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تتحول مضامينها إلى استراتيجيات وسياسات وبرامج ومؤسسات وآليات للمتابعة والتقييم.
ومن هنا تبرز مسؤولية القوى والهيئات السياسية والمؤسسية الجنوبية، وفي مقدمتها الجهات المعنية بالحوار الوطني، في تبني مشروع مؤسسي لاستكمال هذه المخرجات وتطويرها وتفعيلها. ويأتي المجلس الانتقالي الجنوبي، بحكم دوره في رعاية الحوار ومخرجاته، في مقدمة الأطراف المعنية بالإسهام في هذه العملية، دون أن يعني ذلك احتكارها أو التعامل معها باعتبارها ملكًا تنظيميًا له؛ فهي نتاج عملية حوار وطني، ومن ثم ينبغي أن تظل مفتوحة أمام مختلف القوى والمكونات والشخصيات الجنوبية، بما فيها تلك التي شاركت في الحوار وتلك التي لم تشارك فيه.
ان المرحلة الحالية التي يمر فيها الجنوب تحتاج إلى استمرار الحوار الوطني الجنوبي، ولكن استمرار الحوار لا يعني العودة إلى نقطة الصفر، وإنما البناء على ما تم إنجازه، ومراجعة ما يحتاج إلى مراجعة، واستكمال ما يحتاج إلى استكمال، وتوسيع دائرة المشاركة الوطنية، بما يفتح المجال أمام المكونات التي لم تشارك في اللقاء التشاوري للمساهمة في تطوير التوافق الوطني.
كما ينبغي ألا تؤدي الأحداث الطارئة، مهما كانت أهميتها، إلى تأجيل القضايا الاستراتيجية أو تعطيل العمل المؤسسي. فإدارة الأزمات تفرض قرارات عاجلة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى التخطيط للمستقبل؛ ولذلك ينبغي أن يسير التعامل مع المستجدات بالتوازي مع استكمال بناء الرؤى والاستراتيجيات والمؤسسات.
ويقتضي ذلك إنشاء آلية مؤسسية تتولى مراجعة المخرجات وتطويرها، وتحويل مضامينها إلى استراتيجيات وبرامج قابلة للتنفيذ، وتحديد الجهات المسؤولة عنها، ووضع آليات للمتابعة والتقييم، على أن يجري ذلك في إطار حوار جنوبي أوسع. فالمراجعة لا تعني التخلي عن التوافقات السابقة، كما أن التطوير لا يعني إعادة كتابة كل شيء من جديد، وإنما الحفاظ على الأسس التي تم التوافق عليها، وتطوير ما تحتاج إليه التجربة، واستكمال ما لم يأخذ حظه من التفصيل، وفتح الحوار مع المكونات الجنوبية التي لم تشارك في اللقاء التشاوري ولم تكن جزءًا من صياغة تلك الوثائق.
وهكذا يمكن أن تتحول مخرجات الحوار الوطني الجنوبي من حصيلة لحدث سياسي إلى رصيد متراكم للعمل الوطني، ومن نصوص يُستشهد بها إلى مرجعيات توجه صناعة القرار، وتساعد على الانتقال من ردود الأفعال إلى التخطيط، ومن إدارة الأزمات المتفرقة إلى بناء مسار استراتيجي أكثر وضوحًا.
لقد أنجز اللقاء التشاوري في مايو 2023 أرضية سياسية وفكرية مهمة، غير أن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز تتوقف على القدرة على استثماره وتطويره وربطه بالممارسة. فالمسار الوطني الجنوبي جنوب لا يحتاج إلى أن يبدأ من جديد كلما تغيرت الظروف، وإنما يحتاج إلى أن يعرف ما الذي أنجزه، وأن يفهم وظيفة ما أنجز، وأن يمتلك المؤسسات القادرة على تحويله إلى عمل.
إن إعادة فهم مخرجات الحوار الوطني الجنوبي، بهذا المعنى، ليست مسألة أكاديمية أو توثيقية فحسب، وإنما هي جزء من إعادة تنظيم العمل الوطني على أساس أكثر وضوحًا ومؤسسية. فالمرجعيات تكتسب قيمتها من حضورها في صناعة القرار، والاستراتيجيات من قدرتها على توجيه العمل، والبرامج من وجود مؤسسات قادرة على تنفيذها ومتابعتها.
والاستحقاق الحقيقي لمخرجات الحوار الوطني الجنوبي هو أن تتحول إلى رصيد حي للعمل الوطني، وأساس لاستمرار الحوار مع جميع القوى الجنوبية، ومصدر لصياغة الاستراتيجيات، وأداة للاستعداد لبناء الدولة، ومرجعية للدفاع عن المصالح الوطنية في أي مسار سياسي أو تفاوضي.
وهنا تكمن الخطوة التالية: الانتقال من إنتاج الوثائق إلى استثمارها، ومن التوافق على النصوص إلى بناء القدرة على العمل وفقها.
وفي مثل هذه الظروف تزداد أهمية العودة إلى ما أُنجز من وثائق وطنية، لا باعتبارها نصوصًا جامدة أو مواقف سياسية مرتبطة بمرحلة بعينها، وإنما باعتبارها أساسًا يمكن مراجعته وتطويره والبناء عليه. فالتغيرات التي تطرأ على الواقع السياسي لا تعني أن يبدأ العمل الوطني من الصفر في كل مرة، بل تفرض إعادة النظر في الأدوات والسياسات في ضوء المتغيرات، مع الحفاظ على ما تم التوافق عليه من أسس ومبادئ.
ويلاحظ أن الحديث عن مخرجات الحوار الوطني الجنوبي كثيرًا ما يُختزل في الميثاق الوطني الجنوبي، حتى أصبح يُوصف أحيانًا بأنه دستور الجنوب أو الوثيقة المرجعية للدولة الجنوبية المستقبلية. ومع أهمية الميثاق ومكانته السياسية، فإن هذا التوصيف يعكس فهمًا قاصرًا لطبيعته ووظيفته، كما لا يعبر بصورة دقيقة عن طبيعة المنجز الذي خرج به اللقاء التشاوري، ويحجب في الوقت نفسه أهمية بقية الوثائق التي تمثل، إلى جانبه، بناءً فكريًا وسياسيًا متكاملًا.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة فهم هذه المخرجات، ليس بهدف إنتاج وثائق جديدة، وإنما لفهم وظيفة كل وثيقة وموقعها في المشروع الوطني، وتحديد كيفية تطويرها وتحويل مضامينها إلى استراتيجيات وسياسات وممارسات مؤسسية تستجيب للمرحلة الراهنة وتخدم الاستعداد لبناء الدولة.
فالـميثاق الوطني الجنوبي هو، في جوهره، وثيقة توافق سياسي وشراكة وطنية، تسعى إلى توفير أرضية مشتركة للعلاقة بين القوى والمكونات والفعاليات الجنوبية، وترسيخ مبادئ ومفاهيم العمل الوطني المشترك وإدارة الاختلاف في إطار جامع. وهذه الوظيفة تختلف عن وظيفة الدستور؛ فالدستور ينظم الدولة وسلطاتها ومؤسساتها وحقوق مواطنيها، بينما يعالج الميثاق بصورة أساسية العلاقة السياسية والوطنية بين القوى التي تتشارك في المشروع الوطني وتتوافق حول المبادئ التي يتضمنها.
ومن ثم فإن أهمية الميثاق لا تكمن في تحويله إلى دستور، وإنما في احترام وظيفته وتفعيله باعتباره إطارًا للتوافق والشراكة بين الأحزاب والمكونات السياسية الجنوبية، والاستفادة منه في استمرار الحوار الوطني وتوسيع دائرة المشاركة فيه، بما يتيح للقوى والمكونات التي لم تشارك في اللقاء التشاوري أن تكون جزءًا من عملية تطوير التوافق الوطني.
أما وثيقة الاتجاهات الرئيسية لإدارة المرحلة الراهنة، فهي تجيب عن سؤال أكثر ارتباطًا بالعمل الوطني المباشر: ماذا ينبغي أن ينجز الجنوب خلال المرحلة التي تسبق قيام الدولة؟
فالمرحلة الانتقالية لا ينبغي أن تكون مجرد فترة انتظار للحظة إعلان الدولة، أو فترة تحتكم إلى الشعارات، وإنما مرحلة إعداد حقيقية لاستقبالها، من خلال بناء المؤسسات والهياكل والقدرات البشرية والإدارية والمالية والقانونية والأمنية، وإعداد السياسات اللازمة لإدارة الدولة ومرافقها. ومن هنا يمكن تطوير هذه الوثيقة إلى استراتيجية لإدارة المرحلة الراهنة، تحدد الأولويات والمهام والجهات المسؤولة والبرامج وآليات المتابعة والتقييم، بحيث تتحول المرحلة الانتقالية إلى مرحلة بناء واستعداد للدولة الجنوبية القادمة.
أما وثيقة اتجاهات أسس بناء الدولة الفيدرالية الجنوبية، فهي تتصل بالأسس والفلسفة التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة الجنوبية المستقبلية، بعد تطوير هذه الاتجاهات وتحويلها إلى وثيقة استراتيجية وإطار مرجعي لبناء الدولة. وعلى ضوء هذا الإطار يمكن صياغة التصور العام لشكل الدولة ونظامها السياسي والفيدرالي، وتوزيع السلطات والاختصاصات، والعلاقة بين مستويات الحكم، وإدارة الموارد، والحقوق والحريات، واستقلال القضاء، ومبادئ الحكم الرشيد، ومؤسسات الدولة وآليات إدارتها ورقابتها.
وعلى أساس هذه الرؤية تُبنى العملية الدستورية، بحيث يستند الدستور إلى تصور واضح للدولة المراد بناؤها، ثم تأتي القوانين لترجمة المبادئ الدستورية إلى قواعد تنظم مؤسسات الدولة ومرافقها واختصاصاتها. ولذلك فإن استكمال صياغة هذه الوثيقة وتطويرها يمثلان خطوة أساسية في بناء الإطار الدستوري والقانوني للدولة الجنوبية.
أما وثيقة أسس ومبادئ التفاوض حول مستقبل القضية الجنوبية، فتتصل بالمسار السياسي والتفاوضي الذي يمكن أن تواجهه القضية الجنوبية في أي تسوية مستقبلية. ويمكن تطويرها إلى استراتيجية تفاوض وطنية تحدد المصالح العليا والأهداف التفاوضية، وما يمكن التفاوض بشأنه وما يمثل ثوابت وطنية، وآليات اتخاذ القرار، وتشكيل فريق التفاوض، والاستعانة بالخبرات القانونية والسياسية والفنية اللازمة.
وبذلك تتضح طبيعة هذه الوثائق وتكامل وظائفها؛ فهي لا تؤدي وظيفة واحدة حتى تحل إحداها محل الأخرى، وإنما تشكل في مجموعها أساسًا يمكن البناء عليه في إدارة المرحلة، وتعزيز التوافق الوطني، والاستعداد لبناء الدولة، وإدارة المسار التفاوضي حول مستقبل القضية الجنوبية.
لكن قيمة هذه الوثائق لا تقاس بما تتضمنه من أفكار فقط، وإنما بقدرتها على التأثير في صناعة القرار وتوجيه العمل. فالوثيقة التي تبقى في إطار الاستشهاد السياسي تفقد جزءًا كبيرًا من وظيفتها، بينما تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تتحول مضامينها إلى استراتيجيات وسياسات وبرامج ومؤسسات وآليات للمتابعة والتقييم.
ومن هنا تبرز مسؤولية القوى والهيئات السياسية والمؤسسية الجنوبية، وفي مقدمتها الجهات المعنية بالحوار الوطني، في تبني مشروع مؤسسي لاستكمال هذه المخرجات وتطويرها وتفعيلها. ويأتي المجلس الانتقالي الجنوبي، بحكم دوره في رعاية الحوار ومخرجاته، في مقدمة الأطراف المعنية بالإسهام في هذه العملية، دون أن يعني ذلك احتكارها أو التعامل معها باعتبارها ملكًا تنظيميًا له؛ فهي نتاج عملية حوار وطني، ومن ثم ينبغي أن تظل مفتوحة أمام مختلف القوى والمكونات والشخصيات الجنوبية، بما فيها تلك التي شاركت في الحوار وتلك التي لم تشارك فيه.
ان المرحلة الحالية التي يمر فيها الجنوب تحتاج إلى استمرار الحوار الوطني الجنوبي، ولكن استمرار الحوار لا يعني العودة إلى نقطة الصفر، وإنما البناء على ما تم إنجازه، ومراجعة ما يحتاج إلى مراجعة، واستكمال ما يحتاج إلى استكمال، وتوسيع دائرة المشاركة الوطنية، بما يفتح المجال أمام المكونات التي لم تشارك في اللقاء التشاوري للمساهمة في تطوير التوافق الوطني.
كما ينبغي ألا تؤدي الأحداث الطارئة، مهما كانت أهميتها، إلى تأجيل القضايا الاستراتيجية أو تعطيل العمل المؤسسي. فإدارة الأزمات تفرض قرارات عاجلة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى التخطيط للمستقبل؛ ولذلك ينبغي أن يسير التعامل مع المستجدات بالتوازي مع استكمال بناء الرؤى والاستراتيجيات والمؤسسات.
ويقتضي ذلك إنشاء آلية مؤسسية تتولى مراجعة المخرجات وتطويرها، وتحويل مضامينها إلى استراتيجيات وبرامج قابلة للتنفيذ، وتحديد الجهات المسؤولة عنها، ووضع آليات للمتابعة والتقييم، على أن يجري ذلك في إطار حوار جنوبي أوسع. فالمراجعة لا تعني التخلي عن التوافقات السابقة، كما أن التطوير لا يعني إعادة كتابة كل شيء من جديد، وإنما الحفاظ على الأسس التي تم التوافق عليها، وتطوير ما تحتاج إليه التجربة، واستكمال ما لم يأخذ حظه من التفصيل، وفتح الحوار مع المكونات الجنوبية التي لم تشارك في اللقاء التشاوري ولم تكن جزءًا من صياغة تلك الوثائق.
وهكذا يمكن أن تتحول مخرجات الحوار الوطني الجنوبي من حصيلة لحدث سياسي إلى رصيد متراكم للعمل الوطني، ومن نصوص يُستشهد بها إلى مرجعيات توجه صناعة القرار، وتساعد على الانتقال من ردود الأفعال إلى التخطيط، ومن إدارة الأزمات المتفرقة إلى بناء مسار استراتيجي أكثر وضوحًا.
لقد أنجز اللقاء التشاوري في مايو 2023 أرضية سياسية وفكرية مهمة، غير أن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز تتوقف على القدرة على استثماره وتطويره وربطه بالممارسة. فالمسار الوطني الجنوبي جنوب لا يحتاج إلى أن يبدأ من جديد كلما تغيرت الظروف، وإنما يحتاج إلى أن يعرف ما الذي أنجزه، وأن يفهم وظيفة ما أنجز، وأن يمتلك المؤسسات القادرة على تحويله إلى عمل.
إن إعادة فهم مخرجات الحوار الوطني الجنوبي، بهذا المعنى، ليست مسألة أكاديمية أو توثيقية فحسب، وإنما هي جزء من إعادة تنظيم العمل الوطني على أساس أكثر وضوحًا ومؤسسية. فالمرجعيات تكتسب قيمتها من حضورها في صناعة القرار، والاستراتيجيات من قدرتها على توجيه العمل، والبرامج من وجود مؤسسات قادرة على تنفيذها ومتابعتها.
والاستحقاق الحقيقي لمخرجات الحوار الوطني الجنوبي هو أن تتحول إلى رصيد حي للعمل الوطني، وأساس لاستمرار الحوار مع جميع القوى الجنوبية، ومصدر لصياغة الاستراتيجيات، وأداة للاستعداد لبناء الدولة، ومرجعية للدفاع عن المصالح الوطنية في أي مسار سياسي أو تفاوضي.
وهنا تكمن الخطوة التالية: الانتقال من إنتاج الوثائق إلى استثمارها، ومن التوافق على النصوص إلى بناء القدرة على العمل وفقها.

















