> «الأيام» نيوزيمن :
>مع كل أزمة معيشية تتفاقم في مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي، يعود خطاب الحرب إلى الواجهة باعتباره المخرج الجاهز لتبرير العجز عن دفع مرتبات موظفي الدولة، في سياسة تبدو أقرب إلى إدارة الفقر وإبقاء المجتمع تحت ضغط الحاجة، بدل معالجة جذور الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعصف بملايين اليمنيين.
ومنذ استيلائها على مؤسسات الدولة في صنعاء عام 2015، لم يعد ملف المرتبات بالنسبة للحوثيين مجرد استحقاق مالي لموظفي الدولة، بل تحول إلى ورقة سياسية وأداة ضغط اجتماعي، بينما تُدفع قطاعات واسعة من الموظفين إلى العمل لسنوات بأجور متقطعة أو دون انتظام، في وقت تستمر فيه الأسعار في الارتفاع وتتراجع القدرة الشرائية وتتسع دائرة الفقر والجوع.
وتأتي هذه السياسة في بلد تصفه الأمم المتحدة بأنه يعيش واحدة من أشد الأزمات الإنسانية والإنمائية في العالم، إذ يحتاج أكثر من 22 مليون شخص إلى المساعدة والحماية خلال 2026، فيما يعاني 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ولا تعمل بصورة كاملة سوى نحو 59.3 % من المرافق الصحية.
الحرب كإجابة جاهزة عن سؤال الراتب
بدل أن تقدم سلطة الحوثيين تفسيرًا شفافًا لمصير الإيرادات العامة وآليات توزيعها، تواصل الترويج لخطاب الحرب والعدوان والمؤامرات الخارجية باعتبارها مبررات دائمة للأزمة الداخلية.
وفي الخطاب الحوثي، تتحول كل مشكلة معيشية إلى نتيجة لما تسميه الجماعة "العدوان" أو "الحصار"، فيما تُستدعى عبارات "الكرامة والعزة" و"التصدي للمخططات الأمريكية والإسرائيلية" لتعبئة الشارع وإشغاله عن الأسئلة الأكثر إلحاحًا: أين تذهب الإيرادات؟ ولماذا لا يحصل الموظف على راتبه؟ ومن يتحمل مسؤولية انهيار قدرته على شراء الغذاء والدواء؟
المفارقة أن الموظف الذي يُطلب منه الصبر والتضحية باسم الحرب هو نفسه الذي يُترك بلا دخل منتظم، في حين أن الحرب التي تُستخدم لتفسير الأزمة أصبحت، في نظر منتقدي الجماعة، جزءًا من آلية استمرارها؛ فكل تصعيد جديد يوفر خطابًا جديدًا لتأجيل الأسئلة المتعلقة بالمرتبات والخدمات والإيرادات.
وتشير وثائق أممية إلى أن موظفي الخدمة المدنية في مناطق سيطرة الحوثيين ظلوا لفترات طويلة يعملون دون أجور كاملة، وأن قضية المرتبات ارتبطت خلال مسارات التهدئة السابقة بالتزام باستخدام إيرادات ميناء الحديدة لدفع رواتب موظفي الدولة. كما أشارت وثائق الأمم المتحدة إلى رفض الحوثيين جهودًا مرتبطة بانتظام دفع هذه المرتبات.
هذه الصورة هي التي ينتقدها الناشط أمير المعافا، الذي اتهم سلطة الحوثيين في صنعاء بتحويل مرتب الموظف إلى"ورقة إذلال"، واستخدامه وسيلة لإجباره على القبول بما تريده الجماعة، وكأن الراتب منحة أو هبة وليس حقًا مقابل العمل.
ويقول المعافا إن المرتب لم يعد يُعامل باعتباره استحقاقًا وظيفيًا، بل تحول إلى أداة ضغط على الموظف، مؤكدًا أن الأجر يجب أن يكون مقابل العمل وليس مقابل الولاء.
وتكشف هذه الانتقادات عن أحد أخطر أوجه أزمة المرتبات: فالمشكلة لا تقتصر على التأخير المالي، وإنما تمتد إلى علاقة السلطة بالموظف نفسه، عندما يصبح الحصول على الأجر مرتبطًا بدرجة القرب من السلطة أو بالقدرة على تحمل الانتظار والقبول بشروطها. وهنا يتحول الموظف من صاحب حق إلى طالب مساعدة، وتتحول الدولة من جهة ملزمة بدفع الأجر إلى جهة تستخدم الراتب كأداة لإدارة السلوك السياسي والاجتماعي.
من نصف راتب إلى راتب بلا موعد
الناشط محسن الدار يضع جانبًا آخر من الأزمة، مشيرًا إلى أن أول صرف جزئي للمرتبات جاء في صورة نصف راتب عن يناير 2017، في ظل الظروف المالية الاستثنائية آنذاك.
لكن، وفق طرحه، تغيرت الصورة لاحقًا بصورة كبيرة؛ إذ أصبح الموظفون أمام أنماط مختلفة من الصرف، فمنهم من لا يتقاضى شيئًا، ومنهم من يحصل على نصف راتب بعد فترات طويلة، بينما فقدت المبالغ المصروفة جزءًا كبيرًا من قيمتها الشرائية بفعل التضخم وتدهور الوضع الاقتصادي
.
والأخطر، بحسب الدار، هو ما يتحدث عنه من إسقاط أسماء بعض الموظفين من الكشوفات أو نقلهم إلى فئات أدنى دون وضوح في المعايير أو أسباب اتخاذ هذه القرارات. وهذا يعني أن أزمة المرتبات لم تعد مرتبطة فقط بتأخر التحويل المالي، بل باتت تشمل أيضًا غياب الشفافية بشأن كشوفات الموظفين ومعايير الاستحقاق وآليات الصرف.
والأخطر، بحسب الدار، هو ما يتحدث عنه من إسقاط أسماء بعض الموظفين من الكشوفات أو نقلهم إلى فئات أدنى دون وضوح في المعايير أو أسباب اتخاذ هذه القرارات. وهذا يعني أن أزمة المرتبات لم تعد مرتبطة فقط بتأخر التحويل المالي، بل باتت تشمل أيضًا غياب الشفافية بشأن كشوفات الموظفين ومعايير الاستحقاق وآليات الصرف.
وفي بلد يعتمد فيه ملايين الأسر على دخل شهري محدود، فإن عدم معرفة موعد الراتب أو قيمته أو حتى ضمان استمرار إدراج الموظف ضمن قوائم المستحقين يحول الأجر إلى مصدر دائم للقلق وعدم الاستقرار.
الناشط التربوي عبدالله الروني يذهب أبعد في انتقاده، إذ يرى أن تأخير المرتبات لا ينبغي تفسيره دائمًا باعتباره عجزًا ماليًا، وإنما يمكن قراءته، بحسب وصفه، باعتباره نوعًا من "إدارة الفقر". ويشير الروني إلى أن الموظف أصبح الحلقة الأضعف؛ فهو لا يمتلك أدوات ضغط أو نفوذًا سياسيًا، ولذلك يستطيع النظام إبقاءه في دائرة الانتظار، بينما تتراكم احتياجات أسرته من الغذاء والدواء والتعليم.
وتكتسب هذه الانتقادات وزنًا أكبر عندما توضع في سياق الأزمة الاقتصادية اليمنية عمومًا. فالأمم المتحدة تقول إن الاقتصاد اليمني انكمش بأكثر من 50 % منذ بداية الصراع، وإن الناتج المحلي للفرد تراجع بأكثر من النصف، فيما يعيش أكثر من 80 % من السكان تحت خط الفقر.
كما حذرت الأمم المتحدة ووكالاتها من أن 18.3 مليون شخص يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد في 2026، بينما تتزايد المخاطر مع ضعف القدرة الشرائية وتدهور سبل العيش. في مثل هذه البيئة، لا يكون تأخير الراتب مجرد مشكلة إدارية، بل يتحول مباشرة إلى أزمة غذاء وصحة وتعليم وسكن، لأن الراتب هو خط الدفاع الأخير للأسرة الموظفة أمام الانهيار الاقتصادي.
أين تذهب الإيرادات؟
السؤال الأكثر حساسية الذي تطرحه الانتقادات المحلية يتعلق بالإيرادات. الدكتور عبدالملك الحضراني اتهم سلطة الحوثيين بتبديد الإيرادات العامة وتجويع الموظفين، مطالبًا وزارة المالية والمؤسسات الإيرادية بالكشف عن حجم الإيرادات وأوجه إنفاقها.
ويدعو الحضراني مسؤولي المؤسسات الإيرادية إلى نشر بيانات واضحة حول الموارد والمصروفات، متسائلًا عن مصير إيرادات الضرائب والجمارك والصناديق والقطاعات الحكومية المختلفة، في ظل استمرار أزمة المرتبات.
وبغض النظر عن دقة كل تقدير يرد في الخطاب المحلي بشأن حجم الإيرادات، فإن جوهر السؤال مشروع: إذا كانت سلطة الأمر الواقع تدير مؤسسات إيرادية وموارد عامة، فلماذا لا تقدم للرأي العام كشفًا واضحًا ومعلنًا عن حجم الإيرادات وأوجه الإنفاق وأولويات الموازنة؟
فالشفافية المالية ليست ترفًا في بلد يعيش ملايين مواطنيه على حافة الجوع، وإنما هي الحد الأدنى المطلوب لمعرفة كيفية إدارة المال العام.
وتشير تقارير أممية إلى أن الصراع أدى إلى تعطيل واسع للخدمات العامة ودفع الرواتب، وأن الانهيار الاقتصادي أدى إلى تراجع قيمة العملة وارتفاع أسعار الغذاء والسلع الأساسية. كما وثقت تقارير أممية سابقة اتهامات للحوثيين بالسيطرة على موارد عامة وفرض رسوم وجبايات تحت عناوين مرتبطة بالمجهود الحربي.
من أكثر المفارقات قسوة أن الموظف الذي يُطلب منه التضحية من أجل الحرب هو ذاته الذي يتحمل كلفة الحرب في حياته اليومية. فحين تتوقف المرتبات أو تتأخر، لا تتوقف احتياجات الأسرة معها. الخبز لا ينتظر، والدواء لا ينتظر، وإيجار المنزل لا ينتظر، ورسوم المدارس والمواصلات لا تنتظر.
ولهذا فإن تحويل ملف المرتبات إلى خطاب تعبوي عن"الصمود" و"العدوان" لا يقدم إجابة حقيقية للموظف الذي يريد معرفة موعد راتبه، ولا للأسرة التي تواجه أسعارًا متصاعدة ودخلًا متآكلًا. بل إن استخدام الحرب كشماعة دائمة يفتح سؤالًا أكبر حول الأولويات: هل تُدار الموارد العامة لخدمة المجتمع والموظف، أم لإدامة آلة الحرب وبناء شبكات النفوذ؟
وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا في ظل الوضع الإنساني الراهن، إذ تؤكد الأمم المتحدة أن اليمن يواجه أزمة غذاء واسعة وأن ملايين الأشخاص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما تواصل الخدمات الأساسية العمل بقدرات محدودة.
الموظفون بين الجوع والخطاب التعبوي
المشكلة التي يواجهها الموظف في مناطق سيطرة الحوثيين لا تنحصر في غياب الراتب، وإنما في تآكل قيمة العمل نفسه. فالموظف الذي يعمل دون أجر منتظم يفقد القدرة على التخطيط لحياته، ويضطر إلى الاستدانة أو البحث عن عمل إضافي أو الاعتماد على مساعدات الأقارب، فيما تتراجع مكانة الوظيفة العامة التي يفترض أن توفر الحد الأدنى من الاستقرار.
وفي الوقت نفسه، تستمر السلطة في مطالبة المجتمع بالصبر والتضحية، لكن من دون أن تقدم للرأي العام كشفًا شفافًا يوضح كيفية إدارة الموارد العامة، أو جدولًا واضحًا ومستدامًا لصرف المرتبات. وهنا تتسع الفجوة بين الخطاب والممارسة: خطاب يتحدث عن الكرامة والسيادة والاستقلال، وواقع يواجه فيه الموظف سؤالًا أكثر بساطة وإلحاحًا: كيف سيطعم أسرته هذا الشهر؟
المشكلة الأساسية أن سلطة الحوثيين تتعامل مع الحرب باعتبارها أولوية تتقدم على بناء مؤسسات الدولة، بينما يفترض أن تكون وظيفة السلطة حماية الاقتصاد والخدمات والمرتبات، لا تحويلها إلى أوراق ضغط.
ومع استمرار التصعيد العسكري، تزداد المخاوف من أن يدفع الاقتصاد اليمني ثمنًا إضافيًا. وقد حذر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ في أغسطس 2026 من أن اليمن يواجه أخطر خطر للعودة إلى حرب واسعة النطاق منذ هدنة 2022، بالتزامن مع تزايد الاحتياجات الإنسانية وتدهور الوضع الغذائي.
وبذلك، فإن العودة إلى الحرب لا تعني فقط سقوط ضحايا في الجبهات، بل تعني أيضًا مزيدًا من الانكماش الاقتصادي، وارتفاع الأسعار، وتعطيل الخدمات، واتساع دائرة الفقر، وتآكل ما تبقى من قدرة الأسر على الصمود. في النهاية، يمكن للحوثيين أن يكرروا شعارات "العزة" و"الكرامة" و"مواجهة العدوان" بقدر ما يشاؤون، لكن هذه الشعارات لن تسدد دينًا على موظف، ولن تشتري دواءً لمريض، ولن توفر وجبة لطفل جائع.
الراتب ليس منّة من السلطة، والموظف لا يعمل مقابل الولاء، والحرب لا يمكن أن تكون إجابة دائمة عن سؤال المال العام.
وكلما جرى استخدام التصعيد العسكري للهروب من الأسئلة الاقتصادية، فإن الأزمة لا تختفي؛ بل تتراكم، حتى يتحول الموظف الذي صبر سنوات إلى واحد من أكبر ضحايا الانهيار الذي يُطلب منه في الوقت نفسه أن يتحمل كلفته باسم الحرب.










