​ تعود مدينة المخا إلى صدارة الإعلام من بوابة الحرب، لا من بوابة مجد التاريخ.

خلال الأيام الماضية، أطلقت ميليشيات الحوثي صواريخ عدة على رصيف الميناء التاريخي؛ لمرات عدة، ذلك الرصيف الذي كان نصيبه، منذ القرن الثامن عشر، إما القصف وإما النسيان، وعانى طويلاً مرارة الغزو والإهمال.

يتذكره الغزاة كمرفأ لتصدير البن اليمني الشهير، وينساه أهله حتى يهلّ دخان الحرب، فيعود إلى الذاكرة.

 ومدينة المخا، التي كانت أهم شرفة لليمن نحو العالم، تطل منها جبال اليمن السعيد. ومنه حمل البحر اسم المخا إلى أصقاع الدنيا، حتى التصق اسمها بأشهر أنواع القهوة:«موكا كوفي»، كان الأوروبيون ينطقون اسم المخا بـ«موكا»، وجاب البرتغاليون والإنجليز والهولنديون والفرنسيون هذه الشواطئ، بحثا عن سر القهوة اليمنية، وحلما بالسيطرة على مفاتيح طرق العالم البحرية.

وحده البحر حمل السفن المحمّلة بالثروات والغزاة والطغاة، وحمل أيضا أحزان الصيادين والعشاق. وظل البحر ذاته الذي تبدأ منه النجاة والحياة، كما تبدأ منه الحروب.

ويدرك اليمنيون، أن طغيان الحوثي لا يجلب لليمن سوى وبال القلق الدولي، ويحوّل شواطئ البلد السعيد إلى مسرح لحرب تعيسة.

فهذا العدوان الميليشياوي، وتهديد الامن الدولي،  لا ينتج إلا الفوضى، ويصنع عدم استقرار يدفع ثمنه الجميع.

في عام 1737، قاد القبطان الفرنسي ديلاجار جازييه سفنا فرنسية تجاه المخا، في محاولة للسيطرة على تجارة البن وفرض النفوذ الفرنسي في المنطقة. ولم تكن تلك السفن تجارية مسالمة، بل سفنا حربية مجهزة بالمدافع، خاضت مواجهات ومناوشات في طريقها إلى المخا، واستعرضت القوة لفرض الشروط.

كان جوهر الصراع آنذاك هو السيطرة على الممرات البحرية والسلع الاستراتيجية؛ وكان البن اليمني، إلى جانب البخور والجلود، ثروة تستحق المغامرة والحرب.

أرهقت الحرب والطبيعة القاسية الأسطول الفرنسي، كما أرهقت قبلهم البرتغاليين والعثمانيين، لكنه عاد بعد سنوات، مدفوعا بالطمع في الثروات، وبالرغبة الأهم في السيطرة على الممرات البحرية ومواجهة النفوذ البريطاني الذي تمدد في عدن وسواحل اليمن؛ فاليمن، بحكم موقعه، لم يكن مجرد بلد على البحر؛ بل هو بلد يمتلك مفاتيح البحر.

يشرف على بحر العرب وخليج عدن والمحيط الهندي، من سقطرى وحضرموت وحتى عدن و تعز والحديدة. مستفردا بطرق دولية بين المحيط والبحر .

والأهم على باب المندب، ذلك العنق البحري الذي ظل عبر التاريخ ممرا للتجارة، وساحة للأطماع، وممراً للأحزان.

سُمي"المندب " لكثرة ما ندبت النساء الغائبين في ظلمات البحر، فيما كانت السفن تعبره محملة بالبشر والثروات والأطماع، وتتعاقب عليه محاولات الغزو والسيطرة وكلها فشلت.

وكانت المخا، التابعة اداريا لمحافظة تعز، أكثر من ميناء على الساحل. إنها امتداد لعمق اليمن الجغرافي والبشري؛ ولهذا فإن كل وجع يصيب هذا المرفأ الذي أُهمل طويلا هو وجع في بؤبؤ العين لقلب اليمن كله.

وتؤكد الأحداث حقيقة ثابتة: كلما كانت مياه البحر الأحمر، تحت مظلة التعاون العربي المشترك، كانت هذه الشرايين المائية أكثر أمنا واستقرارا للعالم أجمع.

ومن هنا تأتي ضرورة التكامل العربي في حماية هذا الممر الحيوي .

إن دعم الدول العربية لاستعادة الدولة اليمنية لمؤسساتها ودورها ،لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره اصطفافا في صراع إقليمي، بل شراكة عربية لحماية الدولة الوطنية والأمن القومي العربي. فأمن اليمن، من عدن والحديدة والمخا وباب المندب إلى المكلا وسقطرى، يرتبط مباشرة بأمن البحار والمحيط  والسواحل العربية وقناة السويس.

واليمن المستقر والقادر على حماية سواحله هو مصلحة عربية، كما هو مصلحة يمنية، وعامل أساسي للأمن الدولي.

ويعلمنا التاريخ أن قوة اليمن واستقراره كانا دوما مفتاحا لاستقرار هذه الشواطئ، في ضفتي البحر الأحمر، العربية والأفريقية، وسداً أمام الأطماع التي أرادت النيل من مقدرات المنطقة.

فأهل اليمن لم يكونوا غرباء عن البحر، ولا كانت الضفة الأخرى من البحر الأحمر عالما منفصلا عنهم. فمنذ قرون، عبر اليمنيون البحر إلى الضفة الأخرى، وأسهموا مع إخوانهم من العفر والعيسى والصومال في نشوء مدن ومرافئ، وظلت الروابط البشرية والتجارية والثقافية بين ضفتي البحر الأحمر أعمق من الحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية.

جاء الاستعمار إلى الشاطئ الآخر من البحر الأحمر، الذي لا يبعد عن المخا وباب المندب سوى عشرين ميلا، وبقي أكثر من قرن، ثم رحل، وبقي أهل الأرض يحملون ذاكرة البحر، ويتقاسمون جغرافيته الإنسانية، رحلت قوى الاستعمار، وبقي اليمنيون وأهل القرن الأفريقي من اليمن والصومال وجيبوتي.

أما حماقات الحرب حول باب المندب، التي تحاول إشعالها ميليشيا الحوثي، فلا تعيد سوى فصل جديد من مأساة قديمة؛ حيث يتحول البحر من طريق للتجارة والحياة إلى ساحة للتهديد والابتزاز؛ لكن مشروع القراصنة والميليشيات وصانعي الفوضى لن يصنع مستقبلا، سيُهزم عبث الحرب، وستصفو أجواء البحر كما عرفتها الأرض عبر تاريخها الطويل، وستعود المخا إلى ما تستحقه: ميناءً للحياة لا منصة للحرب، وذاكرةً للبن لا هدفا للصواريخ.

وسلام على الأرض السعيدة... فلن يكون باب المندب بوابةً للدموع، بل نافذةً للسلام والحرية.
"الأهرام"