الأحد, 23 أغسطس 2026
43
ما أشبه اليوم بالبارحة. ففي حرب صيف 1994، وبعد فشل مشروع الوحدة وانتصار القوة على الجنوب، تمكّن حزب الإصلاح (التيار الإسلامي الإخواني) من الإمساك بالعديد من مفاصل الدولة، من عدن إلى المهرة، في إطار مكافآت سياسية وعسكرية لمن ساهموا في الحرب على الجنوب، تحت شعار مواجهة«الجنوب الشيوعي الكافر». وبلغ الأمر حدَّ إصدار فتاوى دينية جرى توظيفها لتبرير الحرب واستباحة دماء الجنوبيين.
ومع سقوط الجنوب، مُنحت الرتب والمناصب العسكرية لعدد من المقاتلين الذين لم يتلقوا التأهيل الأكاديمي في المعاهد والكليات العسكرية، وإنما جاءت رتبهم نتيجة سنوات القتال والمشاركة في حروب مؤدلجة، من بينها أفغانستان وغيرها من ساحات الصراع خلال الحرب بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الاشتراكي.
وكان الجنوب، في النهاية، هو من دفع الثمن الأشد لصراعات واستقطابات بين المعسكرين؛ كانت تُسمّى حربًا باردة، لكنها كانت على الجنوب ساخنةً جدًا، وكأن أرضه أصبحت مكافأةً لمن شاركوا في مواجهة الشيوعية وإسقاطها.
ولم يشفع للجنوبيين دخولهم الوحدة عام 1990، ولا انتماؤهم العربي والإسلامي؛ إذ ظلت تهمة الشيوعية تلاحقهم كلما طالبوا بحقوقهم. وأصبح حق استعادة الدولة الجنوبية يُقدَّم أحيانًا باعتباره امتدادًا للشيوعية والإلحاد والكفر، لتستمر معاناة الجنوب تحت هذه الذريعة لعقود.
ومنذ حرب 2015، خاض الجنوبيون، إلى جانب التحالف العربي، حروبًا ومعارك تحت راية المشروع العربي، وقدّموا الدماء والتضحيات، وأثبتوا حضورهم في مواجهة التحديات. وتمكّنت القوات الجنوبية من بسط نفوذها على مساحات واسعة من باب المندب إلى حوف، مستفيدةً من كوادر تلقت التدريب والتأهيل العسكري، ومن خبرات قيادات جنوبية درست في أكاديميات عسكرية داخلية وخارجية.
والجنوب، بعروبته وإسلامه وقبائله المتجذّرة في أعماق التاريخ، لم يكن يومًا أسيرًا لحقبة سياسية عابرة ومتقلّبة؛ فقد حافظ أبناؤه على هويتهم وأصالتهم، وشاركت قبائل الجنوب في مراحل مختلفة من الفتوحات الإسلامية، وظل ارتباطه بهويته العربية والإسلامية راسخًا عبر التاريخ.
ومع ذلك، ومع كل خلاف سياسي أو عسكري، تعود تهمة «الشيوعية» ولغة «94» إلى الواجهة، كما حدث منذ يناير 2026 وما سبقه، وكأن الجنوب لم يُسمح له بمغادرة الماضي. لقد تغيّر الجنوب، لكن التهمة لم تتغيّر.
وما يحدث اليوم يعيد، في نظر كثيرين، إنتاج بعض ملامح ما بعد حرب 1994، من خلال تعيين قيادات مدنية وعسكرية دون معايير واضحة للكفاءة، مقابل إقصاء قيادات مؤهلة ومجرّبة، في مشهد يعيد إلى الأذهان ممارسات تلك المرحلة وتداعياتها.
المشكلة هنا ليست في الاختلاف السياسي الذي برز على السطح، بل في استمرار معاقبة الجنوب على ماضٍ تجاوزه أبناؤه، واختزاله في رؤية خصومه من خلال تهمٍ مستدامة. ورغم ما حدث، يبقى أمام من يشرف على الملف اليمني فرصةٌ أخيرة لإنصاف الجنوب، وتصحيح المسار، والاستماع إلى أبنائه، وطيّ صفحة الاتهام؛ فهل آن الأوان؟.