الأحد, 23 أغسطس 2026
49
منذ صدور قرار تشكيل حكومة الدكتور شايع محسن الزنداني في 6 فبراير 2026، وحتى 23 أغسطس 2026، انقضى 200 يوم بالحساب الشامل ليوم التشكيل. وهذه مدة ليست طويلة بمعايير التحولات الكبرى، لكنها ليست قصيرة إلى الحد الذي يمنع التقييم أو يعفي الحكومة من تقديم كشف حساب أولي يوضح ما أنجزته، وما تعثر، وما الأسباب، وما الذي تعتزم القيام به خلال ما تبقى من العام.
لقد جاءت الحكومة في ظرف استثنائي بالغ التعقيد، تتداخل فيه الحرب والانقسام السياسي والتدهور الاقتصادي وضعف مؤسسات الدولة وتراجع الخدمات واتساع رقعة الفقر والبطالة. ومن الإنصاف الإقرار بأن حكومة تعمل في مثل هذه البيئة لا يمكن محاسبتها كما تُحاسب حكومة تعمل في دولة مستقرة ومؤسسات مكتملة. لكن الظروف الاستثنائية، على قسوتها، لا تلغي المساءلة؛ بل تجعل الشفافية أكثر ضرورة، لأن المواطن الذي يتحمل أثمان الأزمة من دخله وصحته وأمنه وخدماته يحتاج إلى معرفة ما الذي تفعله حكومته، وإلى أين تتجه.
السؤال بعد 200 يوم ليس: هل حُلّت جميع مشكلات البلاد؟ فهذا سؤال غير واقعي. وإنما: هل وضعت الحكومة مسارًا واضحًا لوقف التدهور؟ وهل نجحت في تحقيق تقدم ملموس، ولو كان محدوداً، في الملفات التي تمس حياة المواطنين مباشرة؟
من حق اليمنيين أن يعرفوا ماذا تحقق في استقرار العملة، وكبح التضخم، وضبط الإيرادات العامة، وترشيد الإنفاق، وصرف الرواتب، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم. ومن حقهم أيضاً معرفة ما أُنجز في مكافحة الفساد، وتفعيل أجهزة الرقابة، وإصلاح الإدارة العامة، وتوحيد القرار الاقتصادي والمالي، وتعزيز حضور مؤسسات الدولة في المحافظات الواقعة تحت سلطة الحكومة.
ولا يكفي أن تقدم الحكومة قائمة بالاجتماعات والزيارات والتوجيهات والسفريات والقرارات؛ فهذه وسائل للعمل وليست إنجازات في ذاتها. الإنجاز الحكومي يُقاس بالنتائج: كم تحسنت ساعات تشغيل الكهرباء؟ كم ارتفعت الإيرادات الفعلية؟ كم انخفض الإنفاق غير الضروري؟ ما نسبة الرواتب التي صُرفت في مواعيدها؟ كم مؤسسة أعيد تفعيلها؟ وما مقدار التحسن الذي شعر به المواطن في معيشته وخدماته؟ هل تم إيقاف كشف"الإعاشة" القديم أم أصبح الكشف كشفين؟ هل قضينا على المحسوبية في التعيينات؟ هل تم التحقيق في التلاعب بمنح التعليم العالي؟ وفي أوجه صرف الدخل القنصلي؟ وماذا عن نهب النفط في حضرموت؟
كما ينبغي أن يشمل كشف الحساب البرنامج العاجل الذي أعلنت الحكومة أنه يمتد حتى نهاية عام 2026: ما أهدافه المحددة؟ وما مؤشرات قياسه؟ وكم تبلغ كلفته؟ وما مصادر تمويله؟ ومن الجهة المسؤولة عن كل نتيجة؟ وما نسبة التنفيذ حتى الآن؟ فغياب الأرقام يحول البرامج الحكومية إلى عناوين عامة يصعب تقييمها، كما يفتح الباب أمام المبالغة في تصوير النجاح أو الفشل على السواء.
إن مطالبة الحكومة بكشف حساب ليست استهدافًا لها، ولا إنكاراً لما قد تكون قد بذلته من جهود، بل هي ممارسة طبيعية للمساءلة العامة. والحكومة الواثقة من أدائها لا تخشى نشر البيانات، بل تستفيد من التقييم لتصحيح الأخطاء وإعادة ترتيب الأولويات. كما أن الاعتراف بالتعثر وشرح أسبابه أكثر احترامًا للمواطن من الاكتفاء بخطاب الإنجازات العامة.
المطلوب أن تتقدم الحكومة بتقرير علني ومختصر، يتضمن ما وعدت به، وما تحقق فعليًا، وما لم يتحقق، وأسباب التعثر، وحجم الموارد التي أُنفقت، وخطة الأشهر المقبلة. وينبغي أن تُعرض النتائج بلغة الأرقام والمؤشرات، لا بلغة التبرير أو الدعاية السياسية.
لقد مُنِحَت الحكومات المتعاقبة كثيراً من الوقت والصبر، لكن الناس لم يعودوا قادرين على احتمال مزيد من الغموض. وبعد 200 يوم، نتساءل: ماذا فعلت حكومة شايع الزنداني لتحسين حياة المواطن، ووقف التدهور، واستعادة الثقة بالدولة؟
إن الحكومة ليست مطالبة بصناعة المعجزات خلال أشهر، لكنها مطالبة بأن تثبت أن البلاد تتحرك في الاتجاه الصحيح. وأول دليل على ذلك أن تضع أمام الشعب كشف حسابٍ صريحًا؛ لأن الزمن في حياة الحكومات لا يُقاس بعدد الأيام التي مضت، بل بما تحقق خلالها من أثر.