الأحد, 23 أغسطس 2026
44
عدن لا تُختزل في جغرافيا ولا تُقاس بمساحة. عدن فكرة. فكرة مدينة سبقت زمانها. مدينة تعلمت أن تعيش مع البحر لا عليه، ومع الاختلاف لا ضده. من توهم أن بمقدوره إعادة عدن إلى مربع المشيخة والقبلية وفق مقاس مصالحه ورؤيته، فقد أخطأ في قراءة التاريخ قبل أن يخطئ في قراءة الواقع. فالمسعى هنا ليس إدارياً عابراً. هو مسعى لإعادة تعريف المدينة، هدفه المعلن وغير المعلن واحد: طمس الهوية المدنية لعدن، ومحو ذاكرتها المتنوعة، وتحويلها من مدينة مؤسسات وقانون إلى منطقة نفوذ.
اسألوا الميناء الذي كان رئة للتجارة العالمية. اسألوا المصافي التي كانت شريان طاقة للإقليم. اسألوا المطار الذي كان أول مطار في الجزيرة العربية يستقبل الطائرات النفاثة. اسألوا البحر الممتد من التواهي إلى البريقة، ومن جولد مور إلى كود النمر. هذه ليست معالم اقتصادية فحسب. هذه وثائق اعتماد لمدينة كانت تصدر النظام قبل البضائع. كانت تصدر قانون العمل والصحافة والنقابات والتعليم النظامي والرياضة المنظمة في وقت كانت فيه مفاهيم الدولة لا تزال جنيناً في غيرها.
اسألوا صيرة وحقّات وباب السلب والعقبة. اسألوا حجارة كريتر التي سمعت مناظرات السياسة وأمسيات الفن وهتافات الملاعب. اسألوا عن المكاوي وباهارون والبيومي وباسندوه والأصنج والجفري وباشراحيل. اسألوا عن لطفي جعفر أمان والعقبة ومسواط وجرادة. اسألوا عن أحمد شريف الرفاعي وإدريس حنبلة وعبدالله شرف. اسألوا عن أديب قاسم وعبدالله عبدالكريم وأحمد قاسم ومحمد سعد عبدالله ومحمد عبده زيدي والهمشري وعلي أحمد الجاوي وأحمد بو مهدي وعمر غابة ونجيب سعيد نعمان والقيراط وجواد محسن وعلي محسن المريسي وإسكندر ثابت ومكرم عنتر وعلي أحمد اليافعي والمسيبلي والرخم وباعبيد وباشنفر وبازرعة والشقاع وبانافع. اسألوا عن العيدروس والهاشمي وعن حافة حسين والقطيع والرزميت. اسألوا ملعب الحبيشي وعن التلال والوحدة والميناء والشعلة وعن الهيتاري وإبراهيم صعيدي وعزام خليفة وسعيد دعاله. القائمة لا تنتهي لأن عدن ليست أسماء. عدن مصنع أسماء. هؤلاء خرجوا من مدرسة واحدة اسمها عدن. مدرسة أدركت أن الفن ليس ترفًا، وأن الثقافة ليست كماليات، وأن الرياضة ليست لعباً، وأن الاقتصاد ليس جباية، وأن القانون ليس خياراً، وأن السياحة ليست موسماً، وأن التنمية ليست مشروعًا ظرفيًا.
عدن كانت سينما ومسرحًا ومكتبة عامة وصحيفة يومية ومدرسة نظامية وملعباً يمتلئ عن آخره. كانت جيرة وعشرة لا تسأل عن العرق ولا عن الأصل. كانت مدينة ترفع فيها المآذن مع أجراس الكنائس، وتجاور فيها المساجد المعابد والزوايا. كانت مدينة يمشي فيها الهندي والصومالي واليهودي والمسلم والمسيحي والفارسي ويشترون من دكان واحد ويدرسون في مدرسة واحدة ويشجعون في مدرج واحد ويحتكمون إلى قانون واحد. هذا ليس حنيناً. هذا توصيف لحالة اسمها "المدنية" ولعقد اجتماعي عمره مئات السنين قام على المواطنة لا على الولاء، وعلى القانون لا على العرف، وعلى احترام المقدس بتعدد صوره.
كيف يتم الطمس؟ لا أحد يهدم مدينة بالجرافة. الهدم يتم بالتراكم العكسي. بتعيين لا يسأل عن الكفاءة ويسأل عن الانتماء. بتهميش المتاحف والمسارح والمكتبات والملاعب ودور العبادة التاريخية واستبدالها بخطاب أحادي. بزرع مفردة "أصل وفصل" مكان مفردة"مواطنة". بجعل الأمن وجهة نظر لا مؤسسة. بتغليب اقتصاد الجباية على اقتصاد الإنتاج والميناء والخدمات. تكون النتيجة جيلاً لا يعرف من هو القيراط ولا من هو محسن، لكنه يحفظ عن ظهر قلب من مع من ومن ضد من.
والرد على ذلك ليس صراخاً. الرد هو التمسك بمبادئ المدينة. التمسك بأن عدن لا تُحكم إلا بالقانون. التمسك بأن عدن لا تُبنى إلا بالمؤسسات والكفاءة والشفافية. التمسك بأن عدن ليست ملك فئة ولا جماعة. عدن ملك كل من سكنها ودفع فيها ضريبة واحترم جاره والتزم بالنظام العام. عدن ليست إقطاعية. عدن عقد اجتماعي بين مواطن ومدينة.
وحين نقول"دولة داخل الدولة" فنحن نقصد نموذجًا مدنيًا. نقصد أن عدن كانت وينبغي أن تظل مدينة القانون والمؤسسات والتعايش والرياضة. نقصد أن من أراد بناء المستقبل عليه أن يبدأ بإحياء عدن، لا بهدم عدن.
نحن لا نبيع أوهاماً ولا نمارس جلد الذات. نحن نرصد ونحلل ونقوّم. ونقولها بوضوح: من يريد أن يعيد عدن إلى الوراء فليبحث عن مدينة أخرى. لأن ذاكرة عدن أقوى من أي مشروع طمس. الأرشيف موجود. الصور موجودة. الأغاني والمعالم والحوافي والمدارس والملاعب ودور العبادة شاهدة. العجائز الذين يحكون عن "أيام زمان" موجودون. والشباب الذين يبحثون عن هويتهم في ركام اليوم موجودون. والتاريخ لا يرحم. يضع كل فعل في ميزانه وكل اسم في حجمه وفي زمانه.
عدن اليوم تحتاج إلى من يفهمها لا من يملكها. تحتاج إلى من يعيد لها هيبة القانون قبل هيبة أي شيء آخر. تحتاج إلى من يعيد لها اقتصاد الميناء والخدمات والسياحة والرياضة لا اقتصاد الجباية. تحتاج إلى من يفهم أن السلام في عدن ليس شعاراً. السلام في عدن هو نظام ونظافة ودوام ومدرسة ومستشفى وملعب وشارع آمن واستثمار واعد.
من أراد أن يكتب عن عدن فليكتب عن تراكم لا عن ضجيج. وليكتب عن دولة لا عن مشيخة. وليعلم أن هذه المدينة التي أنجبت كل تلك القامات قادرة أن تنجب غيرها. لكن بشرط واحد لا مساومة عليه: أن تُترك لعدنيتها. أن تُترك لتكون ما كانت عليه دائماً وأبداً... مدينة مفتوحة، مدينة قانون، مدينة سلام، مدينة رياضة، مدينة تعايش، مدينة تنمية.
الأيام كفيلة بأن تحكم. ونحن هنا نشهد ونسجل ونوثق. ولن نصمت حين تُمس الهوية، ولن نجامل حين يُمس القانون، ولن نهادن حين يُراد لعدن أن تصبح نسخة من مكان آخر. لأن عدن كانت وستظل: دولة داخل الدولة.