المتحلقون حول سدة الحكم رهنوا العقل، وسجنوه في زنزانة المدح، وكيل المديح لمن بيده مفاتيح باب الجنة. لكن جنة الرحمن متاحة للطبيبين الصادقين من البشر، أما جنة من تعلّى حكمها فهي جنة المسنود من سحابات ذوي الجاه، أباطرة عدم اليقين؛ ما أمطرت يومًا خيرًا للبلد، لكنها سحابات بها لغط ولغو، حكمته من جاور السعيد، يسعد حسب قاموس جحا: بسوق شرطه «اصمت، أغمض عينيك وأذنيك، وانسَها، تنل شفاعة من تدر يداه ما يخرس العقل، لكن تفتح الشهية وتسر الناظرين».
فجامل ما تيسر من قاموسك جملًا، تأشيرةً للعبور، ليضمك المختار لقوائم من صدرت بهم «بركات» ما مثلها نالها أو حازها. خامل ينام بعدها العقل، واللسان يردد ترهات القول.
وهنا كارثة العقل المصادر بدولة عقلها كيس يسيل بالمال الوفير؛ لدولة غابت عن الوعي، وأضاعت بلدًا يبحث بين الظلمات سبيلًا للخروج. لا شيء يأتي ممن رهن السلطة لمن توافرت فيهم صفات التابع الذليل، يتم ضمه لمعترك السياسة عبر بلادة العقل وقلة الضمير. تلك شروط قيادة الدول، عبر أجهزة ألسنتها تراوغ، وتلعق العسل من وادٍ مثمر من شجيرات شجر السدر، المدرّة للعسل، حسب مواصفات من أرسى المزاد.
ومن اختارتهم عناية من ربى شجر السدر بأرض طيبة، وشعب غفور، يسيرون على منوال مولى النعم، يرتبون شؤون الدار، أمور البلد، بذات الوصايا العشر، وعبر الصفات والمواصفات التي عبرها تأهلوا ليكونوا سادة اللحظة، سادة البلد.
إن مسّهم شيء جلل، فعناية ضارب الدف بقصر هيئة الأمم ووكلاء الدعم عند الخطر، بسرعة البرق، يعيدون ترتيب الورق، وعلى ذات الشاكلة تمضي أمور البلد ضمن فراغات هندسها معتمد يدير ملفات أكثر من بلد، سياسات صراعات ما حان بعد يوم الخلاص.
بلادنا أسيرة تسويات عنها حكامنا أبعد ما يكون، وشعبنا يدفع الثمن باهظًا: دمارًا وشتاتًا، وتغوّل أسواق من باعوا ويبيعون عقولهم لرهانات لا تقبل الجدل، على قراءات وتحليلات يحار القارئ والعقل الرشيد فيها، ويسأل ويتساءل: من أجل ماذا؟ وأين خارطة الطريق كي تخرج من اليم، يمنًا غريقًا؟ لا شيء واضح.
قد كان يومًا قاب قوسين أو أدنى من قلب الحديدة، وما الجديد بعد جهد السنين؟ تجري مفاجآت من العيار الثقيل، مفاجآت كانت دلالاتها تُقرأ وتقول إن الأجل قد حان لاستعادة الدولة، وتجريد من عليها من تغوّل من مفاعيل تغوّله، لنكتشف أننا ما نزال ندور داخل حلقة مفرغة.
هنا يحق القول: أين حكماء بلد لهم عقول تفكر؟ وإلى متى يطول بنا زمن الغربة والاغتراب؟ نسمع خلاله خطابات لا تسمن ولا تغني من جوع.
قد حان وقت استعادة زمام مبادرة وطنية تعالج وتتجاوز ما علق بالجسد السياسي، شمالًا وجنوبًا، من تصدعات. حان وقت تحويل الوعود إلى خارطة طريق أساسها توافق وطني شامل، شمالًا وجنوبًا.
وما المانع من إتمام حوارات الجنوب ـ جنوب، وحوار مثيل لها بالشمال؟ لمَ ضياع الوقت؟ ومن صادر الدولة يتغوّل ويتمدد، ويطال ويتطاول على المخا، ويرمي عينيها بالرمد.
أتذكرون حكمة التاريخ يوم نادى من كان اسمه طارقًا، نادى قائلًا: «البحر أمامكم، والعدو خلفكم، فما عساكم فاعلون؟».
يومها فتحوا ديار الأندلس، واليوم نسأل المخا: معركة وطن مكتملة الأركان ينبغي أن تُخاض عبر مؤسسة جيش وطني، تُسخّر له كافة إمكانات الشرعية والتحالف والمجتمع الدولي، الغائب في ملكوت من يدفعون له الرواتب وينظمون لقاءات ومؤتمرات لا طائل منها.
من هنا نقول: من يكتب فليكتب حقًا، ومن يداهن أو يطلي وجه سلطة تأخرت وتقاعست، وظلت أسيرة مشاكلها البينية، كانت سببًا استغله من أسقط الدولة قبل عقد ونيف من الزمان.
والآن حان وقت السؤال: متى؟ متى تدخلون الحديدة؟ قلب تهامة، ومعها حرروا مدينة تعز؛ تحريرهما يعني سقوط الانقلاب. فمتى، يا ترى، يُستكمل المشروع الذي حرر يومًا مدينة عدن، ثم توقف دونما سبب وجيه؟ ومن يومها ما نزال ننتظر تحرير ما تبقى من أراضٍ تتطلب استراتيجية وطنية متكاملة، عبر مفاعيل تمدّها بالدعم القوى الداعمة للشرعية، وأن تخرج الأمم المتحدة من عباءة من ينظر من فوق الشجرة.
وهنا دور مستجد للدبلوماسية الوطنية، تلعبه على أبواب دبلوماسية تغادر دبلوماسية الصمت إلى دبلوماسية تؤازرها قوة تتحرك على الأرض نحو تحرير الحديدة وتعز وكل الوطن.
ومن هنا تكون أولى خطوات تحرير البلد وإسقاط الانقلاب، أو عبر عملية سياسية مكتملة الأركان، أساسها: استعادة مقومات الدولة الوطنية. وحدة مؤسسات الدولة.












