لطالما استغربتُ أن تظلّ قصائد الحب أكثر ما يجذب الناس إلى الشعر وكأنّ الشعر لم يجد منذ أن عرف الإنسان الكلام موضوعًا أوسع من قلبٍ يحبّ وقلبٍ يُحَبّ.. كنتُ أبحث دائمًا عن تلك اللحظة التي يتجاوز فيها الشاعر الحكاية العاطفية المباشرة ليضع يده على شيء أعمق في الإنسان وعلى الأشياء التي لا يستطيع الحب وحده أن يفسّرها إلى أن قرأتُ قصيدة (ما لم يقله الرسّام) للشاعر العارف عارف الساعدي، تلك القصيدة الثابتة كخرسانة الماس التي تجلّت لي بخلعة جمال وخلعة جلال حتى أصابني روعٌ بين جمال وانبهار لحظة قوله:
فهل سيرسم نومًا مُشبِعًا وكَرَى؟
هنا أجهشتُ بالبكاء حقًّا ولم أتمالك دموعي. يا إلهي لم يسبق لي أن بكيت بسبب الشعر. نعم ممكن أن أفرح أو أحزن أو أتأمّل لكن أن أبكي بسبب بيت شعري فهذه إمكانية عظيمة للشاعر في سبر أغوار النفس صورة تبدو بسيطة جدًا ثم يقلب معناها حتى تصبح موجعة فلسفيًا هناك شيء بالغ القسوة في كلمة (رسموا).
الأطفال في اللوحة يُفترض أنهم مجرد صور..لا يكبرون ولا يتعبون ولا يمرضون ولا يموتون لكن الشاعر يمنحهم وعيًا وأرقًا وبمجرد أن يقول (لم يناموا) تتحوّل اللوحة من مساحة مرسومة إلى عالم كامل يعاني والأشد إيلامًا أن السؤال ليس: هل سينام الأطفال؟ بل: فهل سيرسم نومًا مُشبِعًا وكَرَى؟
أي أن الرسّام الذي خلق عالمهم لم يستطع أن يمنحهم أبسط ما يحتاجه الإنسان: النوم وهنا أرى أن القصيدة تفعل شيئًا أعمق من الحديث عن الأطفال أو الوطن إنّها تسأل عن مسؤولية الخالق تجاه ما خلق ،الرسّام خلق عالمًا لكنه عاجز عن إنقاذ سكان لوحته يملك الألوان لكنه لا يملك المصائر ومرّةً ثانية أوقفني الشاعر في قصيدة (قتيل الخضر).
أبدًا لم تكن قصيدة، كانت ملحمة كونية لوَت عقلي وبلا جرار سكبت فيه كل تلك الأسئلة وكل تلك المواجع وكل تلك المأساة التي عاشها الغلام.
الغلام الذي لم نسأل أنفسنا عنه يومًا ولم نعطه الحق في سماع وجهة نظره ونحن كل جمعة نقرأ قصته في الكهف الذي نأوي إليه جميعًا.
صرختُ
ولكنني كنتُ وحدي الغلامَ الذي مات طعنًا
ولكنّه ظلَّ في حضن تلك الفقيرة حيًّا
صرختُ ولم يخرج الناس من نومهم
أبواي يظنّان أنّي عبثتُ بمجرى المياه
ولكنني كنتُ أعبثُ بالطين والدم في راحتيَّا
صرختُ وكان برفقته شاهدٌ
لم يحرّكْ عصاه
ولم يقترحْ للحياة صبيًّا
أنا تائهٌ يا إلهي
لماذا بعثتَ العجوز ليقتلني؟
وهنا تحديدًا صُعقتُ لكلام الغلام فهو لم يعترض على موته بل كان يتساءل عن أن يموت بشكل رحيم:
كان يكفي بأن توقظَ النهرَ ليلًا
وتسحبني نحوه بخطىً باردة
كان يكفي بأن تأمرَ النهرَ
يشربني دفعةً واحدة
المقطع الأخير ليس مجرد خاتمة حزينة إنّه يعيد تفسير القصيدة كلها من منظور الغلام والأهم أن عارف الساعدي لا يجعل الغلام يسأل لماذا قتلني الخضر فقط بل يجعله يسأل الله عن شكل الموت نفسه هنا كلمة (يكفي) مؤلمة جدًا.
الغلام لا يعترض على الموت بقدر ما يعترض على قسوة الطريقة وكأنّه يقول: إذا كان لا بد أن أموت فلماذا كل هذا الألم؟ لماذا لم يكن موتي أكثر رحمة؟ وأنا أقسم لكم يا سادة حتى هذه اللحظة وعند كتابتي عن هذه القصيدة اقسم أنها أبكتني مرارًا وتكرارًا.
هل تصدّقون أنّني كنت أتجنّب قراءتها؟ لهذه اللحظة حتى قدّر لها أن أستحضرها هنا وأعترف بكل ما فعلته بي هذه الكلمات الصادقة وهذا يجعل النص عندي أعمق من مجرد إعادة كتابة قصة الخضر والغلام عارف الساعدي يمنح صوتًا لمن لم يكن له صوت في الحكاية الأصليةنحن نعرف في القصة الدينية أن للخضر سببًا وحكمة لكننا لا نسمع الغلام نفسه عارف الساعدي يذهب إلى تلك الفجوة تحديدًا ويقول ماذا لو تكلّم الغلام؟ وهنا تبدأ المفارقة المؤلمة الحكمة التي نعرفها نحن لا يعرفها الغلام.
لو أنّهم سألوني قبل أن أُولَدْ
لو أنّهم.. واكتفينا عند هذا الحدّ
قرأتُ فقط أول بيت وتسمرتُ مكاني واكتفيت عند هذا الحد ولم أكمل القصيدة. ظللت أفكر في تلك اللحظة ما قبل الولادة يا الله كم هو عميق هذا الشعور:
لو أنهم سألوني..نعم لو أنهم سألونيالشاعر أوقفني في لحظة ما قبل الحياة إلى اللحظة المستحيلة التي لا نملك فيها ذاكرة ولا قرارًا ثم يبني القصيدة كلها على هذا الافتراض: لو عرفتُ مسبقًا ما ينتظرني هل كنتُ سأختار المجيء؟ وهنا : (لو خيّروني قليلًا) هي لحظة اتهام هادئة للوجود كله لماذا لم يُسأل الإنسان؟ لماذا جاء إلى العالم دون أن يعرف شروط اللعبة؟.
هنا انتقلنا من السؤال الفلسفي إلى تجربة الإنسان اليومية. نحن نأتي إلى العالم دون أن نعرف ماذا بعد ثم نقضي أعمارنا كلها في محاولة الإجابة عن السؤال نفسه.
بكيت ليس لأن البيت حزين بل لأنني شعرت بثقل السؤال هذا السؤال الذي أُردده وأتأمل فيه كل يوم وكل لحظة حزن وكل خسارة لو أنهم سألوني... نعم لو أنهم سألوني بقيت أرددها في داخلي وكأنني أحاول أن أجيب عن سؤال لم يُطرح عليّ يومًا كان بكائي أشبه بدهشة متأخرة من الحياة نفسها من أننا جئنا إليها دون أن نُسأل ثم أمضينا أعمارنا كلها نتعلم كيف نحتمل اختيارًا لم يكن لنا فيه اختيار.
وظلّ السؤال معلّقًا في مكان ما بيني وبين السماء بلا إجابة. كأنّه سؤالٌ نسيَ طريقه إلى صاحبه أو كأنّ الشاعر ألقاه في بئرٍ عميقة داخلي ثم مضى وترك لي مهمة الإصغاء إلى ارتداده.
ومنذ ذلك البيت ظلّ عارف الساعدي يدهشني مرة ويبكيني مرة أخرى ويوقظ في داخلي تلك الأسئلة التي كنت أظن أنّني دفنتها جيدًا تحت طبقات العمر كان يستفزّ خيالاتي ويحاور الأشباح التي تسكن أطرافها ويفتح نوافذ في جدران ظننتها صمّاء حتى أصبحت القصيدة عندي أقل شبهًا بالكلام وأكثر شبهًا بكائن يجلس قبالتي ويسألني عن أشياء لا أملك لها جوابًا.
ولعلّني هنا أقول إن إضحاك إنسان بالشعر أمر وارد قد تضحكه صورة أو مفارقة أو لعبة لغوية أما أن تُبكيه قصيدة فذلك أعمق لكن أن يُبكيه بيت واحد وأن يتوقف عند بضعة كلمات فلا يستطيع أن يعبر إلى ما بعدها وأن يجد نفسه فجأة واقفًا أمام حياته وأمام موته وأمام طفولته وأمام أطفال لا ينامون وأمام غلام تمنّى أن يأخذه النهر وأمام روح تأبى الحياة وأمام ذلك المجهول الذي كان يسبق ولادتها فهذا في رأيي ليس تأثيرًا عابرًا هذا هو الشعر حين يستعيد سحره الأول وتلك هي القصيدة التي استعادت سيرتها الأولى وهذا هو الشاعر الحقيقي. الشاعر الذي لا يكتفي بأن يكتب قصيدة بل يستطيع أن يضع بيتًا واحدًا في قلب إنسان ثم يتركه هناك كحجر سحري. كلما حاول صاحبه أن ينساه أخرج منه رؤية بيضاء من غير سوء.
* أديبة وكاتبة عراقية















