> د. سعيد شرياف
في المقال السابق، توقفنا عند سؤال ربما يكون أصعب من سؤال شكل الدولة نفسه: هل نستطيع أن نبني دولة حديثة بعقلية اجتماعية ما تزال تحمل بعض قواعد الماضي؟
وقلنا إن بناء الدولة لا يبدأ من الدستور وحده، ولا من تغيير أسماء المؤسسات، ولا من إنشاء هياكل جديدة. إنه يبدأ من الإنسان؛ من الطريقة التي ينظر بها إلى القانون، والمؤسسة، والمصلحة العامة، والاختلاف، والسلطة.
لكن إذا اتفقنا على ذلك، فإن سؤالًا جديدًا يصبح أكثر إلحاحًا: حسنًا… إذا جاءت لحظة البناء، فمن أين نبدأ؟
هل نبدأ بالدستور؟ أم بالاقتصاد؟ أم بالأمن؟ أم بإعادة بناء الإدارة؟ أم بتوزيع الصلاحيات بين المركز والمحافظات؟ أم نبدأ أولًا بإصلاح الإنسان والمجتمع؟
الحقيقة أن الدولة ليست مشروعًا يمكن بناؤه قطعة واحدة. إنها منظومة مترابطة. وإذا بدأنا من المكان الخطأ، فقد نبني مؤسسات تبدو حديثة على الورق، لكنها عاجزة عن أداء وظائفها في الواقع.
ولهذا فإن سؤال «كيف نبني؟» يحتاج أولًا إلى سؤال آخر: ما الذي يجب أن نبنيه أولًا؟
الدولة ليست مبنى ربما يكون أول خطأ يمكن أن نقع فيه هو أن نتعامل مع بناء الدولة باعتباره عملية إنشاء هياكل.
وزارة جديدة. هيئة جديدة. مجلس جديد. مقر جديد. شعار جديد. وقانون جديد.
كل هذه الأشياء مهمة، لكنها ليست الدولة نفسها. الدولة الحقيقية هي القدرة على تحويل القواعد إلى واقع.
أن يعرف المواطن أين يذهب عندما تضيع حقوقه. وأن يعرف الموظف ما هي صلاحياته وحدوده. وأن يعرف المسؤول أن قراره خاضع للقانون. وأن يعرف المستثمر أن ماله محمي. وأن يعرف القاضي أن حكمه لا يتغير بتغير اسم الشخص أو مكانته. وأن يعرف المواطن أن الخدمة العامة حق، وليست منحة من مسؤول.
هنا تبدأ الدولة. ليس عندما نرفع علمًا فوق مبنى، وإنما عندما تصبح المؤسسة قادرة على أداء وظيفتها دون أن تبحث عن شخص ينقذها في كل مرة.
نبدأ من القاعدة لا من القمة في كثير من تجارب بناء الدول، ينشغل الناس بالسؤال: من سيكون الرئيس؟ ومن سيشكل الحكومة؟ وكيف سيكون البرلمان؟ وما شكل النظام السياسي؟ وكم ستكون مدة الرئاسة؟ وكلها أسئلة مشروعة. لكنها أسئلة القمة. أما الدولة فتعيش في القاعدة: في المدرسة. في المستشفى. في مركز الشرطة. في المحكمة. في البلدية. في مكتب الضرائب. في الميناء. في المطار. وفي الموظف الذي يقابل المواطن كل صباح.
إذا كانت هذه المؤسسات تعمل بعدالة وكفاءة، فإن الدولة تصبح محسوسة في حياة الناس. أما إذا كانت القمة جميلة والمؤسسات اليومية ضعيفة، فإن الدولة ستظل فكرة بعيدة عن المواطن. ولهذا، ربما نحتاج إلى قلب الطريقة التي نفكر بها.
بدل أن نسأل فقط: من يحكم الدولة؟ علينا أن نسأل: كيف تعمل الدولة؟ أول ما نحتاجه: مؤسسة تعرف وظيفتها
المؤسسة القوية ليست المؤسسة التي لديها أكبر عدد من الموظفين. وليست التي لديها أكبر مبنى. وليست التي يصدر عنها أكبر عدد من القرارات.
المؤسسة القوية هي التي يعرف الجميع وظيفتها: ماذا تفعل؟ وماذا لا تفعل؟ ومن يملك القرار داخلها؟ ومن يراقبه؟ وكيف يحاسب من يسيء استخدامه؟ وما الذي يحدث إذا غاب المسؤول؟ إذا كانت المؤسسة مرتبطة بشخص واحد، فهي ليست مؤسسة قوية. إنها مكتب شخص. ولهذا يجب أن تكون إحدى قواعد البناء الأولى: لا نبني مؤسسات تعتمد على الأشخاص، بل أشخاصًا يعملون داخل مؤسسات. المسؤول يتغير. الموظف يتقاعد. الحكومة تتبدل؛ لكن الإجراءات والقواعد والسجلات والاختصاصات تستمر.وهذا هو معنى المؤسسة.
ثم يأتي القانون لا يمكن بناء دولة حديثة إذا كان القانون مجرد نصوص جميلة في الكتب.
القانون الحقيقي هو الذي يعرف المواطن أنه سيُطبَّق عليه وعلى غيره بالطريقة نفسها.
لا يكفي أن نقول: الجميع متساوون أمام القانون. السؤال الأصعب هو: هل يستطيع المواطن أن يرى هذا التساوي في حياته اليومية؟
هل يستطيع الفقير أن يحصل على حقه أمام صاحب النفوذ؟ هل يستطيع الموظف أن يرفض أمرًا غير قانوني دون أن يخاف على وظيفته؟ هل يستطيع المواطن أن يعترض على قرار الدولة من خلال مؤسسة قانونية واضحة؟ هل يستطيع أن يلجأ إلى القضاء وهو مطمئن إلى استقلاله؟ إذا كانت الإجابة نعم، فنحن نقترب من دولة القانون.
أما إذا كان المواطن يبحث أولًا عن الشخص الذي يستطيع أن يتوسط له، فالقانون ما يزال أضعف من العلاقات. ولهذا فإن بناء الدولة يعني، قبل كل شيء:
أن نجعل القانون أقوى من العلاقة. وبعد القانون… الإدارة قد لا يشعر المواطن بوجود الدولة من خلال الدستور، لكنه يشعر بها من خلال الإدارة.
حين يذهب لاستخراج وثيقة. حين يسجل أرضًا. حين يطلب ترخيصًا. حين يدخل مستشفى حكوميًا. حين يرسل ابنه إلى مدرسة. حين يحتاج إلى حماية الشرطة. وحين يلجأ إلى القضاء. لهذا فإن إصلاح الإدارة ليس مسألة فنية ثانوية. إنه في قلب مشروع الدولة.
الدولة التي لا تعرف كم تملك من الأراضي، ولا تعرف عدد موظفيها، ولا تملك سجلات دقيقة، ولا تستطيع تحصيل إيراداتها، ولا تعرف أين تذهب أموالها، ولا تستطيع قياس أداء مؤسساتها، ستجد نفسها عاجزة مهما كان دستورها جيدًا.
ولهذا نحتاج إلى إدارة حديثة تقوم على البيانات، والشفافية، والتخطيط، والمساءلة، والكفاءة؛ لا على المزاج والعلاقات.
والاقتصاد ليس منفصلًا عن الدولة لا يمكن أن نتحدث عن دولة مستقرة دون أن نتحدث عن اقتصاد قادر على تمويلها. فالمدرسة تحتاج إلى ميزانية. والمستشفى يحتاج إلى ميزانية. والقضاء يحتاج إلى ميزانية. والأمن يحتاج إلى ميزانية.
والبنية التحتية تحتاج إلى ميزانية؛ لكن الدولة لا تستطيع أن تعتمد إلى الأبد على المنح والمساعدات أو على مورد واحد. نحتاج إلى اقتصاد ينتج. وموانئ تعمل. ومطارات فعالة. وثروة تُدار بشفافية. وقطاع خاص يستطيع أن يستثمر. وشباب يجدون فرصًا للعمل. ومؤسسات مالية وقواعد واضحة تحمي النشاط الاقتصادي. والأهم من ذلك كله: أن يعرف المواطن أين تذهب الموارد العامة. فالثروة التي لا تخضع للرقابة قد تصبح مصدرًا للصراع بدلًا من أن تكون أساسًا للتنمية. ولهذا فإن سؤال:
من يملك الموارد؟ يجب أن يتبعه دائمًا سؤال: كيف تُدار؟ ولمن تعود فائدتها؟ ومن يراقبها؟
ثم يأتي الأمن لا توجد دولة بلا أمن. لكن السؤال هنا ليس فقط: هل لدينا قوة أمنية؟ بل: أي نوع من الأمن نريد؟ هل نريد قوة تحمي الدولة من المواطن؟ أم دولة تجعل القوة الأمنية في خدمة المواطن؟ الأمن في الدولة الحديثة ليس غياب الخوف فقط. إنه شعور المواطن بأن حياته وماله وبيته وحقوقه محمية بالقانون.
ولهذا فإن بناء الأجهزة الأمنية يجب أن يسير بالتوازي مع بناء المؤسسات المدنية والقانونية. قوة بلا قانون قد تتحول إلى مشكلة. وقانون بلا قدرة على تنفيذه يبقى مجرد نص.
والدولة تحتاج الاثنين معًا: قانونًا عادلًا، وقدرة مؤسسية على تطبيقه. وبعد ذلك… السياسة السياسة تأتي، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع الدولة. يمكن أن نضع أفضل نظام انتخابي.
ويمكن أن نكتب أفضل دستور. ويمكن أن ننشئ برلمانًا وحكومة ومجالس محلية.
لكن إذا كانت المؤسسات ضعيفة، وإذا كانت الثقافة السياسية قائمة على الإقصاء، وإذا كان الخلاف يتحول إلى خصومة وجودية، فسوف نعيد إنتاج المشكلة بأدوات جديدة. ولهذا فإن السياسة تحتاج إلى أرضية مؤسسية تحميها. فالانتخابات لا تكفي إذا لم توجد مؤسسات مستقلة. والبرلمان لا يكفي إذا لم توجد رقابة حقيقية.
والحكومة لا تكفي إذا لم تكن هناك إدارة قادرة على تنفيذ قراراتها. والدستور لا يكفي إذا لم توجد مؤسسات تحميه. الدولة إذن ليست مؤسسة واحدة. إنها شبكة من المؤسسات التي تراقب بعضها بعضًا. وهل نؤجل الدستور؟قد يقول قائل: إذا كان كل شيء يحتاج إلى المؤسسات، فهل نؤجل الدستور حتى نبني الدولة؟
بالطبع لا. الدستور ضروري؛ لأنه يضع القواعد الكبرى. لكنه يجب ألا يكون وثيقة مثالية منفصلة عن الواقع.
الدستور الجيد لا يكتفي بتوزيع السلطات، بل يضع ضمانات واضحة للحقوق والحريات، ويحدد المسؤوليات، ويمنع احتكار السلطة، وينظم العلاقة بين مستويات الحكم، ويجعل تداول السلطة ممكنًا وسلميًا. لكن الأهم: أن يكون قابلًا للحياة. فليس المطلوب أن نكتب أجمل دستور في العالم. المطلوب أن نكتب دستورًا يستطيع المجتمع ومؤسساته أن يعيشاه ويحموه ويطوروه.
من المركز إلى الأطراف
وهنا نصل إلى سؤال مهم جدًا في الحالة الجنوبية: هل تُبنى الدولة من المركز إلى الأطراف؟ أم من الأطراف إلى المركز؟ ربما يكون السؤال نفسه بحاجة إلى إعادة صياغة.
الدولة الحديثة تحتاج إلى مركز قوي في المسائل السيادية التي لا يمكن أن تنجح الدولة دونها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى إدارة محلية قادرة على اتخاذ القرارات التي تتعلق بحياة الناس اليومية.
فالناس في حضرموت لا يحتاجون دائمًا إلى انتظار قرار من العاصمة في كل شأن محلي. وأهل المهرة وشبوة وأبين ولحج وعدن وسقطرى، لكل منطقة خصوصيتها واحتياجاتها.
وهنا تظهر أهمية اللامركزية الإدارية والسياسية، بوصفها واحدة من الأدوات التي يمكن من خلالها تقريب القرار من المواطن، وتوزيع المسؤوليات والصلاحيات بصورة أكثر عدلًا وكفاءة. لكن اللامركزية ليست مجرد توزيع للمناصب، ولا تعني بالضرورة شكلًا واحدًا من أشكال الدولة.
فبين الدولة المركزية والاتحاد الفيدرالي نماذج وترتيبات متعددة، لكل منها شروطه وتجربته وآلياته.
ولهذا فإن السؤال ليس فقط: هل نريد اللامركزية؟ بل: ما مقدار الصلاحيات التي ينبغي أن تكون للمركز؟ وما مقدارها الذي يجب أن يذهب إلى الأقاليم أو المحافظات والمجالس المحلية؟ وكيف توزع الموارد؟ ومن يملك القرار؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ ومن يحاسب؟ هذه أسئلة كبيرة، ولا ينبغي أن نحسمها بالشعارات.
إنها تحتاج إلى نقاش مستقل يقوم على قراءة التجارب، وفهم خصوصية الجنوب، ودراسة قدرته الاقتصادية والإدارية، والتفكير في الضمانات التي تمنع تحول توزيع السلطة إلى صراع جديد. ولذلك سنعود إلى سؤال شكل الدولة بتفصيل أكبر في موضعه.
أما في هذه المرحلة، فالمبدأ الذي يمكن الاتفاق عليه هو: أن تكون السلطة أقرب إلى المواطن ما أمكن، وأن تكون الصلاحيات واضحة، وأن تتبعها الموارد والمسؤولية والمساءلة. لا نبني كل شيء في يوم واحد ربما يكون أهم درس يجب أن نتعلمه هو أن بناء الدولة ليس سباقًا لإعلان الإنجاز. لا يمكن أن نستيقظ صباحًا فنجد دولة حديثة مكتملة. الدولة مشروع طويل. تبدأ فيه الأولويات من الأساسيات: الأمن. القضاء. الإدارة. الخدمات. إدارة الموارد. التعليم. الصحة. البنية التحتية. ثم تتطور المؤسسات مع الوقت. والمهم أن يكون هناك اتجاه واضح. أن يعرف الناس إلى أين نذهب. وأن تكون هناك قواعد تمنع كل حكومة جديدة من البدء من الصفر.
ما الذي يجب ألا نبنيه؟ وهذا السؤال لا يقل أهمية عن سؤال: ماذا نبني؟
لا ينبغي أن نبني دولة ضخمة تستهلك أكثر مما تنتج. ولا دولة مركزية تختنق فيها كل القرارات في العاصمة. ولا دولة تعتمد على الشخص بدلًا من المؤسسة. ولا دولة يكون فيها الجيش والأمن فوق القانون. ولا دولة تتحول فيها الوظيفة العامة إلى غنيمة سياسية. ولا دولة تصبح فيها الموارد العامة ملكًا للحاكم أو الحزب أو الجماعة. ولا دولة تتعامل مع المواطن باعتباره تابعًا ينتظر المنحة.
نريد دولة تقول للمواطن: هذا حقك، وهذه مؤسستك، وهذا القانون الذي يحميك.
البداية الحقيقية إذن، من أين نبدأ؟ ربما لا توجد إجابة واحدة. لكن يمكن أن نتفق على ترتيب منطقي: نبدأ بالإنسان. ثم نبني ثقافة المواطنة. ثم نرسخ سيادة القانون.
ثم نبني مؤسسات مستقلة وواضحة الاختصاص. ثم نصلح الإدارة. ثم نبني اقتصادًا منتجًا وشفافًا. ثم ننظم الأمن تحت سلطة القانون. ثم نصمم النظام السياسي الذي يحمي كل ذلك. وفي النهاية يأتي الدستور ليجمع هذه المبادئ في عقد سياسي واضح؛ لكن هذه ليست خطوات منفصلة. كل واحدة منها تسند الأخرى. فالاقتصاد يحتاج إلى القانون. والقانون يحتاج إلى القضاء. والقضاء يحتاج إلى مؤسسة مستقلة. والإدارة تحتاج إلى موارد. والأمن يحتاج إلى شرعية. والسياسة تحتاج إلى مؤسسات. والدستور يحتاج إلى مجتمع يؤمن به. لهذا لا يمكن أن نبني الدولة من الأعلى فقط. ولا من الأسفل فقط. إننا نبنيها طبقة فوق طبقة، ومؤسسة فوق مؤسسة، وثقة فوق ثقة. وقد يكون أصعب ما في مشروع البناء ليس أن نعرف ما نريد، بل أن نقبل أن البناء الحقيقي يحتاج إلى وقت، وإلى صبر، وإلى قواعد، وإلى تنازلات متبادلة؛ فالدولة ليست غنيمة نقتسمها بعد الصراع.
الدولة هي المؤسسة التي تمنع أصلًا أن يتحول الاختلاف إلى صراع على الغنيمة. وهنا ربما نصل إلى السؤال التالي: إذا اتفقنا على ضرورة بناء المؤسسات، فمن سيبنيها؟
هل نبني الدولة بالعقلية نفسها التي أدارت المؤسسات السابقة؟ ومن أين نأتي بالكفاءات؟ وكيف نضمن ألا تتحول مرحلة التأسيس إلى مرحلة جديدة لتوزيع النفوذ والمناصب؟ وكيف نختار الرجال والنساء الذين سيضعون اللبنات الأولى؟ لأن الدولة قد تمتلك أفضل القوانين؛ لكن إذا وضعنا في مواقعها أشخاصًا لا يؤمنون إلا بمنطق الولاء والغنيمة، فسوف تعود الدولة إلى النقطة نفسها. ومن هنا تبدأ خطوة أخرى في سؤالنا الكبير: كيف نبني؟
وقلنا إن بناء الدولة لا يبدأ من الدستور وحده، ولا من تغيير أسماء المؤسسات، ولا من إنشاء هياكل جديدة. إنه يبدأ من الإنسان؛ من الطريقة التي ينظر بها إلى القانون، والمؤسسة، والمصلحة العامة، والاختلاف، والسلطة.
لكن إذا اتفقنا على ذلك، فإن سؤالًا جديدًا يصبح أكثر إلحاحًا: حسنًا… إذا جاءت لحظة البناء، فمن أين نبدأ؟
هل نبدأ بالدستور؟ أم بالاقتصاد؟ أم بالأمن؟ أم بإعادة بناء الإدارة؟ أم بتوزيع الصلاحيات بين المركز والمحافظات؟ أم نبدأ أولًا بإصلاح الإنسان والمجتمع؟
الحقيقة أن الدولة ليست مشروعًا يمكن بناؤه قطعة واحدة. إنها منظومة مترابطة. وإذا بدأنا من المكان الخطأ، فقد نبني مؤسسات تبدو حديثة على الورق، لكنها عاجزة عن أداء وظائفها في الواقع.
ولهذا فإن سؤال «كيف نبني؟» يحتاج أولًا إلى سؤال آخر: ما الذي يجب أن نبنيه أولًا؟
الدولة ليست مبنى ربما يكون أول خطأ يمكن أن نقع فيه هو أن نتعامل مع بناء الدولة باعتباره عملية إنشاء هياكل.
وزارة جديدة. هيئة جديدة. مجلس جديد. مقر جديد. شعار جديد. وقانون جديد.
كل هذه الأشياء مهمة، لكنها ليست الدولة نفسها. الدولة الحقيقية هي القدرة على تحويل القواعد إلى واقع.
أن يعرف المواطن أين يذهب عندما تضيع حقوقه. وأن يعرف الموظف ما هي صلاحياته وحدوده. وأن يعرف المسؤول أن قراره خاضع للقانون. وأن يعرف المستثمر أن ماله محمي. وأن يعرف القاضي أن حكمه لا يتغير بتغير اسم الشخص أو مكانته. وأن يعرف المواطن أن الخدمة العامة حق، وليست منحة من مسؤول.
هنا تبدأ الدولة. ليس عندما نرفع علمًا فوق مبنى، وإنما عندما تصبح المؤسسة قادرة على أداء وظيفتها دون أن تبحث عن شخص ينقذها في كل مرة.
نبدأ من القاعدة لا من القمة في كثير من تجارب بناء الدول، ينشغل الناس بالسؤال: من سيكون الرئيس؟ ومن سيشكل الحكومة؟ وكيف سيكون البرلمان؟ وما شكل النظام السياسي؟ وكم ستكون مدة الرئاسة؟ وكلها أسئلة مشروعة. لكنها أسئلة القمة. أما الدولة فتعيش في القاعدة: في المدرسة. في المستشفى. في مركز الشرطة. في المحكمة. في البلدية. في مكتب الضرائب. في الميناء. في المطار. وفي الموظف الذي يقابل المواطن كل صباح.
إذا كانت هذه المؤسسات تعمل بعدالة وكفاءة، فإن الدولة تصبح محسوسة في حياة الناس. أما إذا كانت القمة جميلة والمؤسسات اليومية ضعيفة، فإن الدولة ستظل فكرة بعيدة عن المواطن. ولهذا، ربما نحتاج إلى قلب الطريقة التي نفكر بها.
بدل أن نسأل فقط: من يحكم الدولة؟ علينا أن نسأل: كيف تعمل الدولة؟ أول ما نحتاجه: مؤسسة تعرف وظيفتها
المؤسسة القوية ليست المؤسسة التي لديها أكبر عدد من الموظفين. وليست التي لديها أكبر مبنى. وليست التي يصدر عنها أكبر عدد من القرارات.
المؤسسة القوية هي التي يعرف الجميع وظيفتها: ماذا تفعل؟ وماذا لا تفعل؟ ومن يملك القرار داخلها؟ ومن يراقبه؟ وكيف يحاسب من يسيء استخدامه؟ وما الذي يحدث إذا غاب المسؤول؟ إذا كانت المؤسسة مرتبطة بشخص واحد، فهي ليست مؤسسة قوية. إنها مكتب شخص. ولهذا يجب أن تكون إحدى قواعد البناء الأولى: لا نبني مؤسسات تعتمد على الأشخاص، بل أشخاصًا يعملون داخل مؤسسات. المسؤول يتغير. الموظف يتقاعد. الحكومة تتبدل؛ لكن الإجراءات والقواعد والسجلات والاختصاصات تستمر.وهذا هو معنى المؤسسة.
ثم يأتي القانون لا يمكن بناء دولة حديثة إذا كان القانون مجرد نصوص جميلة في الكتب.
القانون الحقيقي هو الذي يعرف المواطن أنه سيُطبَّق عليه وعلى غيره بالطريقة نفسها.
لا يكفي أن نقول: الجميع متساوون أمام القانون. السؤال الأصعب هو: هل يستطيع المواطن أن يرى هذا التساوي في حياته اليومية؟
هل يستطيع الفقير أن يحصل على حقه أمام صاحب النفوذ؟ هل يستطيع الموظف أن يرفض أمرًا غير قانوني دون أن يخاف على وظيفته؟ هل يستطيع المواطن أن يعترض على قرار الدولة من خلال مؤسسة قانونية واضحة؟ هل يستطيع أن يلجأ إلى القضاء وهو مطمئن إلى استقلاله؟ إذا كانت الإجابة نعم، فنحن نقترب من دولة القانون.
أما إذا كان المواطن يبحث أولًا عن الشخص الذي يستطيع أن يتوسط له، فالقانون ما يزال أضعف من العلاقات. ولهذا فإن بناء الدولة يعني، قبل كل شيء:
أن نجعل القانون أقوى من العلاقة. وبعد القانون… الإدارة قد لا يشعر المواطن بوجود الدولة من خلال الدستور، لكنه يشعر بها من خلال الإدارة.
حين يذهب لاستخراج وثيقة. حين يسجل أرضًا. حين يطلب ترخيصًا. حين يدخل مستشفى حكوميًا. حين يرسل ابنه إلى مدرسة. حين يحتاج إلى حماية الشرطة. وحين يلجأ إلى القضاء. لهذا فإن إصلاح الإدارة ليس مسألة فنية ثانوية. إنه في قلب مشروع الدولة.
الدولة التي لا تعرف كم تملك من الأراضي، ولا تعرف عدد موظفيها، ولا تملك سجلات دقيقة، ولا تستطيع تحصيل إيراداتها، ولا تعرف أين تذهب أموالها، ولا تستطيع قياس أداء مؤسساتها، ستجد نفسها عاجزة مهما كان دستورها جيدًا.
ولهذا نحتاج إلى إدارة حديثة تقوم على البيانات، والشفافية، والتخطيط، والمساءلة، والكفاءة؛ لا على المزاج والعلاقات.
والاقتصاد ليس منفصلًا عن الدولة لا يمكن أن نتحدث عن دولة مستقرة دون أن نتحدث عن اقتصاد قادر على تمويلها. فالمدرسة تحتاج إلى ميزانية. والمستشفى يحتاج إلى ميزانية. والقضاء يحتاج إلى ميزانية. والأمن يحتاج إلى ميزانية.
والبنية التحتية تحتاج إلى ميزانية؛ لكن الدولة لا تستطيع أن تعتمد إلى الأبد على المنح والمساعدات أو على مورد واحد. نحتاج إلى اقتصاد ينتج. وموانئ تعمل. ومطارات فعالة. وثروة تُدار بشفافية. وقطاع خاص يستطيع أن يستثمر. وشباب يجدون فرصًا للعمل. ومؤسسات مالية وقواعد واضحة تحمي النشاط الاقتصادي. والأهم من ذلك كله: أن يعرف المواطن أين تذهب الموارد العامة. فالثروة التي لا تخضع للرقابة قد تصبح مصدرًا للصراع بدلًا من أن تكون أساسًا للتنمية. ولهذا فإن سؤال:
من يملك الموارد؟ يجب أن يتبعه دائمًا سؤال: كيف تُدار؟ ولمن تعود فائدتها؟ ومن يراقبها؟
ثم يأتي الأمن لا توجد دولة بلا أمن. لكن السؤال هنا ليس فقط: هل لدينا قوة أمنية؟ بل: أي نوع من الأمن نريد؟ هل نريد قوة تحمي الدولة من المواطن؟ أم دولة تجعل القوة الأمنية في خدمة المواطن؟ الأمن في الدولة الحديثة ليس غياب الخوف فقط. إنه شعور المواطن بأن حياته وماله وبيته وحقوقه محمية بالقانون.
ولهذا فإن بناء الأجهزة الأمنية يجب أن يسير بالتوازي مع بناء المؤسسات المدنية والقانونية. قوة بلا قانون قد تتحول إلى مشكلة. وقانون بلا قدرة على تنفيذه يبقى مجرد نص.
والدولة تحتاج الاثنين معًا: قانونًا عادلًا، وقدرة مؤسسية على تطبيقه. وبعد ذلك… السياسة السياسة تأتي، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع الدولة. يمكن أن نضع أفضل نظام انتخابي.
ويمكن أن نكتب أفضل دستور. ويمكن أن ننشئ برلمانًا وحكومة ومجالس محلية.
لكن إذا كانت المؤسسات ضعيفة، وإذا كانت الثقافة السياسية قائمة على الإقصاء، وإذا كان الخلاف يتحول إلى خصومة وجودية، فسوف نعيد إنتاج المشكلة بأدوات جديدة. ولهذا فإن السياسة تحتاج إلى أرضية مؤسسية تحميها. فالانتخابات لا تكفي إذا لم توجد مؤسسات مستقلة. والبرلمان لا يكفي إذا لم توجد رقابة حقيقية.
والحكومة لا تكفي إذا لم تكن هناك إدارة قادرة على تنفيذ قراراتها. والدستور لا يكفي إذا لم توجد مؤسسات تحميه. الدولة إذن ليست مؤسسة واحدة. إنها شبكة من المؤسسات التي تراقب بعضها بعضًا. وهل نؤجل الدستور؟قد يقول قائل: إذا كان كل شيء يحتاج إلى المؤسسات، فهل نؤجل الدستور حتى نبني الدولة؟
بالطبع لا. الدستور ضروري؛ لأنه يضع القواعد الكبرى. لكنه يجب ألا يكون وثيقة مثالية منفصلة عن الواقع.
الدستور الجيد لا يكتفي بتوزيع السلطات، بل يضع ضمانات واضحة للحقوق والحريات، ويحدد المسؤوليات، ويمنع احتكار السلطة، وينظم العلاقة بين مستويات الحكم، ويجعل تداول السلطة ممكنًا وسلميًا. لكن الأهم: أن يكون قابلًا للحياة. فليس المطلوب أن نكتب أجمل دستور في العالم. المطلوب أن نكتب دستورًا يستطيع المجتمع ومؤسساته أن يعيشاه ويحموه ويطوروه.
من المركز إلى الأطراف
وهنا نصل إلى سؤال مهم جدًا في الحالة الجنوبية: هل تُبنى الدولة من المركز إلى الأطراف؟ أم من الأطراف إلى المركز؟ ربما يكون السؤال نفسه بحاجة إلى إعادة صياغة.
الدولة الحديثة تحتاج إلى مركز قوي في المسائل السيادية التي لا يمكن أن تنجح الدولة دونها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى إدارة محلية قادرة على اتخاذ القرارات التي تتعلق بحياة الناس اليومية.
فالناس في حضرموت لا يحتاجون دائمًا إلى انتظار قرار من العاصمة في كل شأن محلي. وأهل المهرة وشبوة وأبين ولحج وعدن وسقطرى، لكل منطقة خصوصيتها واحتياجاتها.
وهنا تظهر أهمية اللامركزية الإدارية والسياسية، بوصفها واحدة من الأدوات التي يمكن من خلالها تقريب القرار من المواطن، وتوزيع المسؤوليات والصلاحيات بصورة أكثر عدلًا وكفاءة. لكن اللامركزية ليست مجرد توزيع للمناصب، ولا تعني بالضرورة شكلًا واحدًا من أشكال الدولة.
فبين الدولة المركزية والاتحاد الفيدرالي نماذج وترتيبات متعددة، لكل منها شروطه وتجربته وآلياته.
ولهذا فإن السؤال ليس فقط: هل نريد اللامركزية؟ بل: ما مقدار الصلاحيات التي ينبغي أن تكون للمركز؟ وما مقدارها الذي يجب أن يذهب إلى الأقاليم أو المحافظات والمجالس المحلية؟ وكيف توزع الموارد؟ ومن يملك القرار؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ ومن يحاسب؟ هذه أسئلة كبيرة، ولا ينبغي أن نحسمها بالشعارات.
إنها تحتاج إلى نقاش مستقل يقوم على قراءة التجارب، وفهم خصوصية الجنوب، ودراسة قدرته الاقتصادية والإدارية، والتفكير في الضمانات التي تمنع تحول توزيع السلطة إلى صراع جديد. ولذلك سنعود إلى سؤال شكل الدولة بتفصيل أكبر في موضعه.
أما في هذه المرحلة، فالمبدأ الذي يمكن الاتفاق عليه هو: أن تكون السلطة أقرب إلى المواطن ما أمكن، وأن تكون الصلاحيات واضحة، وأن تتبعها الموارد والمسؤولية والمساءلة. لا نبني كل شيء في يوم واحد ربما يكون أهم درس يجب أن نتعلمه هو أن بناء الدولة ليس سباقًا لإعلان الإنجاز. لا يمكن أن نستيقظ صباحًا فنجد دولة حديثة مكتملة. الدولة مشروع طويل. تبدأ فيه الأولويات من الأساسيات: الأمن. القضاء. الإدارة. الخدمات. إدارة الموارد. التعليم. الصحة. البنية التحتية. ثم تتطور المؤسسات مع الوقت. والمهم أن يكون هناك اتجاه واضح. أن يعرف الناس إلى أين نذهب. وأن تكون هناك قواعد تمنع كل حكومة جديدة من البدء من الصفر.
ما الذي يجب ألا نبنيه؟ وهذا السؤال لا يقل أهمية عن سؤال: ماذا نبني؟
لا ينبغي أن نبني دولة ضخمة تستهلك أكثر مما تنتج. ولا دولة مركزية تختنق فيها كل القرارات في العاصمة. ولا دولة تعتمد على الشخص بدلًا من المؤسسة. ولا دولة يكون فيها الجيش والأمن فوق القانون. ولا دولة تتحول فيها الوظيفة العامة إلى غنيمة سياسية. ولا دولة تصبح فيها الموارد العامة ملكًا للحاكم أو الحزب أو الجماعة. ولا دولة تتعامل مع المواطن باعتباره تابعًا ينتظر المنحة.
نريد دولة تقول للمواطن: هذا حقك، وهذه مؤسستك، وهذا القانون الذي يحميك.
البداية الحقيقية إذن، من أين نبدأ؟ ربما لا توجد إجابة واحدة. لكن يمكن أن نتفق على ترتيب منطقي: نبدأ بالإنسان. ثم نبني ثقافة المواطنة. ثم نرسخ سيادة القانون.
ثم نبني مؤسسات مستقلة وواضحة الاختصاص. ثم نصلح الإدارة. ثم نبني اقتصادًا منتجًا وشفافًا. ثم ننظم الأمن تحت سلطة القانون. ثم نصمم النظام السياسي الذي يحمي كل ذلك. وفي النهاية يأتي الدستور ليجمع هذه المبادئ في عقد سياسي واضح؛ لكن هذه ليست خطوات منفصلة. كل واحدة منها تسند الأخرى. فالاقتصاد يحتاج إلى القانون. والقانون يحتاج إلى القضاء. والقضاء يحتاج إلى مؤسسة مستقلة. والإدارة تحتاج إلى موارد. والأمن يحتاج إلى شرعية. والسياسة تحتاج إلى مؤسسات. والدستور يحتاج إلى مجتمع يؤمن به. لهذا لا يمكن أن نبني الدولة من الأعلى فقط. ولا من الأسفل فقط. إننا نبنيها طبقة فوق طبقة، ومؤسسة فوق مؤسسة، وثقة فوق ثقة. وقد يكون أصعب ما في مشروع البناء ليس أن نعرف ما نريد، بل أن نقبل أن البناء الحقيقي يحتاج إلى وقت، وإلى صبر، وإلى قواعد، وإلى تنازلات متبادلة؛ فالدولة ليست غنيمة نقتسمها بعد الصراع.
الدولة هي المؤسسة التي تمنع أصلًا أن يتحول الاختلاف إلى صراع على الغنيمة. وهنا ربما نصل إلى السؤال التالي: إذا اتفقنا على ضرورة بناء المؤسسات، فمن سيبنيها؟
هل نبني الدولة بالعقلية نفسها التي أدارت المؤسسات السابقة؟ ومن أين نأتي بالكفاءات؟ وكيف نضمن ألا تتحول مرحلة التأسيس إلى مرحلة جديدة لتوزيع النفوذ والمناصب؟ وكيف نختار الرجال والنساء الذين سيضعون اللبنات الأولى؟ لأن الدولة قد تمتلك أفضل القوانين؛ لكن إذا وضعنا في مواقعها أشخاصًا لا يؤمنون إلا بمنطق الولاء والغنيمة، فسوف تعود الدولة إلى النقطة نفسها. ومن هنا تبدأ خطوة أخرى في سؤالنا الكبير: كيف نبني؟














