> القاهرة «الأيام» العرب:

​لا تقف تداعيات الحرب حول مضيق هرمز عند حدود الخليج أو أسواق النفط، فامتداد التوتر إلى باب المندب في اليمن يعيد وضع البحر الأحمر وقناة السويس في قلب الحسابات الاقتصادية المصرية.

ومع سيطرة الحوثيين على ميناء المخا وتقدمهم باتجاه باب المندب، تتشكل معادلة أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى القاهرة: اضطراب هرمز يرفع كلفة الطاقة، بينما يهدد اضطراب باب المندب أحد أهم الممرات التي تعتمد عليها التجارة العالمية للوصول إلى قناة السويس.

بالنسبة إلى مصر، فهي تقع جغرافيًا عند نقطة التقاء مسارين بحريين حاسمين: البحر الأحمر الذي يقود إلى باب المندب، وقناة السويس التي تمثل أقصر طريق بحري بين آسيا وأوروبا. وأي اضطراب مستمر في الطرف الجنوبي للبحر الأحمر يمكن أن يدفع شركات الشحن إلى إعادة تقييم المرور عبر القناة، كما حدث خلال السنوات الأخيرة عندما أدت هجمات الحوثيين إلى تحويل سفن كثيرة نحو طريق رأس الرجاء الصالح.

المفارقة أن أزمة هرمز وفرت للقناة خلال الأشهر الماضية فرصة لاستعادة جزء من الحركة التي فقدتها بسبب اضطرابات البحر الأحمر.
وفي المقابل، فإن تقدم الحوثيين على الساحل الغربي وسيطرتهم على المخا يقرب التهديد من باب المندب، وهو ما يضع هذا المكسب أمام اختبار جديد.

وهنا تتقاطع المصالح المصرية مع الحسابات السعودية والخليجية. فالسعودية، التي وجدت نفسها مضطرة إلى الاعتماد بدرجة أكبر على طرق التصدير عبر البحر الأحمر بعد تراجع حركة النفط عبر هرمز، تحتاج إلى بقاء باب المندب مفتوحًا أمام ناقلاتها. وإذا تعرض هذا المسار بدوره لاضطراب كبير، فإن قدرة المنطقة على تعويض جزء من خسائر هرمز ستتراجع.

وتكشف هذه المعادلة أن مضيقي هرمز وباب المندب لم يعودا مشكلتين منفصلتين في حسابات أمن الطاقة. الأول يتحكم في جزء ضخم من صادرات الطاقة الخليجية، والثاني يمثل بوابة رئيسية لوصول هذه الإمدادات إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وتقول بيانات وتحليلات حديثة إن حركة النفط الخليجية لا تزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، رغم استخدام مسارات بديلة وعمليات نقل بحرية غير معلنة.

وتدفع مصر، في المقابل، كلفة أخرى تتمثل في ارتفاع أسعار الوقود والنقل والشحن. فارتفاع النفط فوق 100 دولار لا يضغط فقط على فاتورة استيراد الطاقة، وإنما يمتد إلى تكاليف الإنتاج والنقل والغذاء، في وقت تحاول فيه القاهرة حماية استقرار الأسعار والحفاظ على مسار ضبط مالي واقتصادي حساس.

ويصبح التحدي أكبر إذا طال أمد الحرب. فقد أظهرت الأسواق قدرة نسبية على التكيف مع اضطراب هرمز، كما أن بعض الإمدادات وجدت طرقًا بديلة، لكن استمرار التهديد في البحر الأحمر يمكن أن يحول أزمة مؤقتة إلى إعادة هيكلة أطول لمسارات التجارة والطاقة. وتبقى كلفة التأمين والنقل عاملًا إضافيًا في تحديد مدى قدرة الشركات على استخدام الممرات البحرية التقليدية.

ولا تبدو القاهرة راغبة في التعامل مع التطورات باعتبارها أزمة ملاحة فقط. فاستقرار البحر الأحمر وباب المندب يرتبط مباشرة بأمن قناة السويس وبقدرة مصر على الحفاظ على أحد أهم مصادر العملة الأجنبية لديها. ولذلك فإن أي تصعيد طويل في اليمن لن يكون بعيدًا عن الحسابات الاقتصادية المصرية، حتى إذا لم تكن مصر طرفًا مباشرًا في الحرب.

وتضع التطورات الأخيرة القاهرة أمام معادلة دقيقة: اضطراب هرمز يمكن أن يعيد بعض الحركة إلى قناة السويس، لكن اتساع الحرب إلى باب المندب قد يسحب هذا المكسب بسرعة.