​في الأدبيات السياسية الغربية تعبير شهير هو "الفيل في الغرفة"، ويُقصد به وجود حقيقة ضخمة وواضحة أمام الجميع، لكن الحاضرين يتصرفون كما لو أنها غير موجودة؛ لأن الاعتراف بها قد يكون محرجاً أو مكلفاً، أو يهدم الرواية التي اعتاد الجميع ترديدها.

وفي اليمن، يبدو أن الغرفة أصبحت مزدحمة بالتفاصيل إلى درجة أننا لم نعد نرى "الفيل".

نتحدث عن الحوثيين، والحكومة المعترف بها دولياً، والمجلس الانتقالي الجنوبي، والسعودية وإيران، وعن الموانئ والنفط والغاز والإرهاب والتهريب. 

ونناقش كل معركة وانسحاب وتعيين وأزمة كهرباء ورواتب، حتى يبدو المشهد وكأنه مجموعة أزمات منفصلة.
لكن ماذا لو كانت المشكلة أعمق من ذلك؟

لقد مضت سنوات ونحن نتعامل مع اليمن باعتباره "أزمة" ينبغي إدارتها، بينما السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل بقيت هناك دولة يمنية بالمعنى المؤسسي للكلمة يمكن إعادة الأمور إليها ببساطة؟

الدولة ليست علماً ونشيداً وحكومة ووزراء وسفارات. الدولة مؤسسات يعترف الناس بمشروعيتها، تجمع الموارد، وتدفع الرواتب، وتوفر الخدمات، وتحمي الحدود، وتطبق القانون، وتمتلك قرارها السياسي والاقتصادي.

وعندما تصبح الجغرافيا والسلاح والإيرادات موزعة بين سلطات ومراكز نفوذ متعددة، والقرار السياسي متأثراً بحسابات داخلية وإقليمية ودولية، فإن المشكلة لم تعد خلافاً على من يحكم الدولة، بل أصبحت سؤالاً أكثر جوهرية: أين هي الدولة نفسها؟
وهنا يظهر "الفيل". 

الفيل الذي لا نريد رؤيته هو أن الأزمة اليمنية لم تعد أزمة انتقال سياسي مؤجل، بل أزمة دولة ومجتمع وجغرافيا ومصالح متعارضة تراكمت طوال سنوات الحرب. ولذلك فإن إعادة إنتاج الصيغ القديمة بالأسماء والأدوات والمنطق نفسه لن تقود بالضرورة إلى نتيجة مختلفة.

وفي الجنوب، ثمة سؤال لا يجوز دفنه تحت ركام الصراع: هل ستظل القضية الجنوبية مجرد تفصيل داخل الأزمة اليمنية، أم أنها أصبحت قضية سياسية قائمة بذاتها ينبغي التعامل معها بوضوح في أي تسوية مستقبلية؟ تجاهل السؤال لا يلغيه.

وفي الشمال، أصبح الحوثيون سلطة أمر واقع تسيطر على مساحة سكانية وجغرافية واسعة، ولها قوتها العسكرية وعلاقاتها الخارجية. الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني القبول بها سياسياً، وإنما قراءة الواقع كما هو.

لذلك فالسؤال الأهم ليس: من سينتصر؟ بل: أي يمنٍ يمكن أن يولد بعد كل ما حدث؟
هل يمكن العودة إلى دولة مركزية؟ أم دولة اتحادية؟ أم إلى صيغة ما قبل 22 مايو 1990؟ وهل ستكون التسوية القادمة بين اليمنيين، أم مجرد تقاطع مؤقت لمصالح إقليمية ودولية؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في قلب النقاش. أما الاستغراق في التفاصيل اليومية دون مواجهة السؤال الأكبر، فهو كاجتماع يناقش ترتيب المقاعد ولون الستائر ودرجة حرارة المكيف.. فقط لا غير.

بينما يقف في وسط الغرفة فيل ضخم يتظاهر الجميع بأنهم لا يرونه.