> «الأيام» دوتشيه فيله:
لم تعد التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن شأنًا محليًا فقط. فمع توسع الحوثيين على الساحل اليمني وسيطرتهم على مناطق وجزر في البحر الأحمر، تتزايد الأسئلة بشأن الدور الذي يمكن أن تلعبه الجماعة في المواجهة الإقليمية، وموقعها داخل ما يعرف بـ"محور المقاومة" المدعوم من إيران.
ولسنوات طويلة، كان حزب الله اللبناني يُنظر إليه باعتباره القوة الأكثر نفوذًا بين حلفاء طهران في المنطقة. لكن الضربات الإسرائيلية التي استهدفت الحزب، إلى جانب خسارته قاعدة مهمة في سوريا، غيّرت جزءًا من هذه المعادلة.
- البحر الأحمر يغير المعادلة
اكتسب الحوثيون أهمية إضافية بعد حملتهم العسكرية الأخيرة في اليمن، التي وسعوا خلالها سيطرتهم على أجزاء من الساحل وعدد من الجزر في البحر الأحمر.
ويكتسب هذا التوسع حساسية خاصة بسبب موقع اليمن عند مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية، والذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
ويرى معهد دراسة الحرب الأمريكي أن التحركات الأخيرة قد تهيئ ظروفًا تسمح للقوى المنضوية في "محور المقاومة" بزيادة نفوذها على واحد من أهم الممرات البحرية المرتبطة بتجارة النفط العالمية.
ويأتي ذلك بينما تشهد المنطقة صراعًا متزايدًا حول الممرات البحرية ومصادر الطاقة، بما في ذلك مضيق هرمز على الطرف الآخر من شبه الجزيرة العربية.
- هل يصبح الحوثيون "حزب الله الجديد"؟
كانت المكانة الأبرز داخل "محور المقاومة" ترتبط لسنوات بحزب الله اللبناني. لكن خبراء يرون أن الحوثيين باتوا قادرين على توفير أوراق ضغط مختلفة لطهران.
ويقول الباحث اليمني فارع المسلمي، الباحث في مركز تشاتام هاوس البريطاني والمشارك في تأسيس مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إن الحوثيين أصبحوا اليوم أكثر أهمية مما كانوا عليه قبل سنوات.
ويشير المسلمي إلى أن حزب الله راكم خبرة طويلة ولعب دوراً في بناء قدرات الحوثيين، إلا أن الجماعة اليمنية طورت مع مرور الوقت إمكاناتها ونفوذها الخاص.
ومن بين التطورات التي عززت هذه الصورة إعلان الحوثيين إسقاط مقاتلة سعودية من طراز "إف 15"، باستخدام صاروخ أرض جو قالوا إنه جرى تطويره محليًا. ولم يتسن التأكد بصورة مستقلة من تفاصيل الرواية الحوثية.
ويرى أندرياس كريغ، المحاضر البارز في كلية الدراسات الأمنية في كينغز كوليدج لندن في حوار مع DW أن الحوثيين يؤدون بصورة متزايدة وظيفة استراتيجية لإيران تشبه تلك التي لعبها حزب الله، بل قد تكون أكثر فائدة لطهران في بعض الجوانب.
- من نصر الله إلى عبد الملك الحوثي؟
لطالما أظهر قادة الحوثيين إعجابًا بحزب الله وأمينه العام السابق حسن نصر الله، الذي قتلته إسرائيل عام 2024.
ويقول المسلمي إن هذا التأثر يظهر حتى في أسلوب خطابات زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، لكنه يرى في الوقت نفسه أن الأخير بات يمتلك اليوم أوراق ضغط كبيرة على المستوى الإقليمي.
وكان نصر الله يؤدي، بحسب المسلمي، دورًا مهمًا في الربط بين مكونات "محور المقاومة" والجماعات المدعومة من إيران في لبنان واليمن وسوريا.
ويرى الباحث اليمني أن عبد الملك الحوثي قد يكون في طريقه إلى لعب دور إقليمي أكبر، خصوصًا مع تزايد التنسيق بين جماعات مسلحة متحالفة مع إيران في أكثر من دولة.
- حليف لإيران أم وكيل لها؟
إحدى النقاط التي لا تزال محل خلاف بين الخبراء هي مقدار النفوذ الذي تمارسه طهران فعليًا على قرارات الحوثيين.
فالحوثيون يرتبطون بعلاقات وثيقة مع إيران ويحصلون منها، بحسب تقارير عديدة، على دعم عسكري وتقني. لكنهم في الوقت نفسه يمتلكون قيادة محلية وأيديولوجيا خاصة وقاعدة اجتماعية ومشروعًا للسيطرة داخل اليمن.
ويعتبر كريغ أن هذه الاستقلالية هي أحد أبرز الفروق بين الحوثيين وحزب الله، إذ تستطيع إيران دعم الجماعة وتسليحها والاستفادة من تحركاتها، لكنها لا تستطيع بالضرورة التحكم في جميع قراراتها أو توقيت عملياتها.
وسبق للحوثيين أن اتخذوا خطوات عسكرية رغم تحفظات إيرانية، بحسب مراقبين. كما نفت طهران مسؤوليتها عن الحملة العسكرية الأخيرة للجماعة.
لكن المسلمي يرى أن العلاقة تغيرت خلال العامين الماضيين، وأن الحوثيين أصبحوا أكثر قربًا من إيران.
ونقلت وكالة رويترز في يوليو عن مصادر داخل إيران قولها إن القيادة الإيرانية ناقشت مع الحوثيين إمكانية إغلاق مضيق باب المندب.
وترى أليسون ماينور، النائبة السابقة للمبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن، أن الحوثيين، رغم حرصهم على تقديم عملياتهم باعتبارها نابعة من حسابات يمنية ومحلية، باتوا أكثر تقاربًا مع طهران.
إذا كانت طبيعة علاقة الحوثيين بإيران موضع نقاش، فإن خبراء يتفقون بدرجة أكبر على أن إخضاع الجماعة للضغط العسكري أو الاقتصادي أثبت صعوبته.
فالحملات العسكرية التي شنتها السعودية والولايات المتحدة وقوى أخرى خلال السنوات الماضية لم تنجح في إنهاء قدرات الجماعة. كما لم تحقق العقوبات والضغوط الاقتصادية النتائج نفسها التي يمكن أن تحققها مع جهات تعتمد بصورة أكبر على النظام المالي الدولي.
ويربط المسلمي ذلك بطبيعة الحكم الذي أقامه الحوثيون في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم، إذ يقول إن الجماعة تتعامل مع الصراع باعتباره مواجهة لا مجال فيها للحلول الوسط، وتوجه جزءًا كبيرًا من مواردها نحو المجهود العسكري.
وهنا يظهر فارق آخر مع حزب الله. فالحزب اللبناني لا يمتلك جناحًا مسلحًا فحسب، بل ينشط سياسيًا واجتماعيًا ويقدم خدمات لمؤيديه، كما يتحرك داخل مجتمع متعدد الطوائف، ما يفرض عليه حسابات داخلية معقدة.
- اليمنيون يدفعون الثمن
لكن الصعود العسكري للحوثيين لا يمكن فصله عن التداعيات الإنسانية المتفاقمة للحرب.
وبحسب الأمم المتحدة، أدت المعارك في اليمن إلى نزوح ما لا يقل عن 125 ألف شخص منذ مطلع سبتمبر 2026، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المدنيين وعمليات الإغاثة.
وبذلك، لا تقتصر دلالات المكاسب الأخيرة للحوثيين على تغير موازين القوى داخل اليمن. فموقع الجماعة على البحر الأحمر، وقدراتها العسكرية المتنامية وصلاتها بطهران تجعلها لاعبًا مؤثرًا في ملفات تتجاوز حدود اليمن، من أمن السعودية وإسرائيل إلى الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة.












