> واشنطن «الأيام» العرب:
لم يعد القلق الأميركي من العلاقة بين الحوثيين في اليمن وحركة الشباب في الصومال مقتصرًا على احتمال انتقال الأسلحة بين ضفتي خليج عدن، بل يتجه إلى احتمال تشكل مساحة تعاون أوسع بين جماعتين تنشطان في بيئتين جغرافيتين متقاربتين، بما قد يضيف بعدًا جديدًا إلى الصراع في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وحذرت القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» من أن العلاقة بين الطرفين تمثل تهديدًا تصعيديًا للاستقرار الإقليمي، معتبرة أن دمج قدراتهما العملياتية قد يوسع القدرة القتالية لحركة الشباب في القرن الأفريقي، وفي الوقت نفسه يمنح الحوثيين مجالاً أكبر لبسط النفوذ وتعطيل ممرات بحرية حيوية في البحر الأحمر وغرب المحيط الهندي.
ويأتي هذا التحذير في وقت عزز فيه الحوثيون مواقعهم على الساحل الغربي لليمن، مع تقدمهم باتجاه باب المندب وسيطرتهم على ميناء المخا ومناطق وجزر استراتيجية، ما جعل المسافة الجغرافية بينهم وبين مناطق نفوذ حركة الشباب على الساحل الصومالي أقل أهمية من السابق. وكانت الأمم المتحدة قد حذرت في سبتمبر من تزايد هشاشة الوضع حول باب المندب، رغم أن حركة الملاحة التجارية ظلت، في ذلك الوقت، غير متأثرة بصورة كبيرة.
وتشير معطيات أممية إلى أن العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب ليست جديدة، لكنها تطورت تدريجيًا. فقد وصف تقرير للأمم المتحدة العلاقة في مرحلة سابقة بأنها «تبادلية أو انتهازية»، وليست بالضرورة قائمة على تقارب أيديولوجي. وتحدث التقرير عن اجتماعات بين ممثلين عن الطرفين، طلبت خلالها حركة الشباب أسلحة متقدمة وتدريبًا، مقابل أنشطة قرصنة في خليج عدن وقبالة الساحل الصومالي. كما وثق انتقال أسلحة وذخائر ومتفجرات من اليمن إلى مناطق خاضعة لسيطرة الحركة في الصومال.
لكن التطور الأبرز في المعطيات الأخيرة يتعلق بالتدريب ونقل الخبرة. ونقلت «فايننشال تايمز» عن مسؤولين وخبراء أمنيين أن الحوثيين دربوا مئات المقاتلين الصوماليين على استخدام المسيّرات والمتفجرات وتكتيكات ميدانية، فيما تحدثت تقديرات أخرى عن أعداد أكبر من المقاتلين الذين تلقوا تدريبًا في اليمن. كما أشارت تقارير إلى زيارات متكررة لمبعوثين حوثيين إلى مناطق نفوذ حركة الشباب جنوب الصومال.
فالقدرة الحوثية على تصنيع واستخدام المسيّرات والصواريخ تمثل أحد أهم عناصر القوة التي اكتسبتها الجماعة خلال سنوات الحرب. وفي المقابل، تمتلك حركة الشباب شبكات ميدانية واسعة وخبرة في العمل داخل الأراضي الصومالية، ما يجعل الجمع بين الخبرة التقنية والانتشار المحلي مصدر قلق بالنسبة إلى واشنطن ودول المنطقة.
وتكمن حساسية التطور في الجغرافيا أكثر من أي وقت مضى. فباب المندب يمثل نقطة اتصال بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، فيما يقع الساحل الصومالي على الضفة المقابلة تقريبًا للممرات التي يحاول الحوثيون التأثير فيها.
ويرى مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية أن تعمق العلاقة قد يفتح الباب أمام نقل مسيّرات أو أنظمة صاروخية أكثر تطورًا، كما تحدث عن تقارير بشأن سعي الحوثيين إلى التعاون مع حركة الشباب لتركيب معدات اتصالات ومراقبة في الأراضي الصومالية. وإذا تأكدت هذه التطورات على نطاق واسع، فإنها يمكن أن توسع مجال الرصد والاستطلاع الحوثي خارج الأراضي اليمنية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية مع ارتفاع المخاطر الأمنية في خليج عدن. فقد رصد مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية تصاعدًا في حوادث القرصنة منذ أبريل، بالتزامن مع عودة الهجمات الحوثية على الملاحة في البحر الأحمر، محذرًا من أن تداخل التهديدين قد يزيد الضغوط على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.
ومع ذلك، لا يعني التعاون المتزايد أن الحوثيين وحركة الشباب تحولا إلى تحالف عسكري متكامل. فالفوارق الأيديولوجية بينهما كبيرة، وتظل العلاقة، وفق التقييمات الأممية السابقة، ذات طابع براغماتي ومصلحي إلى حد بعيد. كما أن بعض الأسلحة الأكثر تطورًا التي قيل إن حركة الشباب سعت للحصول عليها، ومنها صواريخ مضادة للطائرات، لم تظهر حتى الآن في ساحات القتال الصومالية وفق تقارير حديثة.
لكن هذا لا يقلل من أهمية التحذير الأميركي. فالمشكلة بالنسبة إلى واشنطن ليست بالضرورة وجود «تحالف» مكتمل، وإنما احتمال أن يؤدي التعاون التدريجي إلى رفع مستوى قدرات الطرفين. حركة الشباب قد تحصل على تقنيات وخبرات جديدة، فيما يمكن للحوثيين الاستفادة من موقع جغرافي على الضفة الأفريقية لخليج عدن، ومن طرق تهريب وشبكات محلية يصعب مراقبتها.
وهنا تتحول المسألة من صراع يمني له امتداد بحري إلى معادلة إقليمية أكثر تعقيداً: اليمن والبحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي وغرب المحيط الهندي.
ولا يزال من المبكر القول إن هذه الجغرافيا أصبحت جبهة واحدة، لكن مسار الأحداث يفسر سبب ارتفاع مستوى التحذيرات الأميركية. فكلما توسعت العلاقة من تبادل السلاح إلى التدريب والمراقبة ونقل الخبرة، أصبح احتواء آثارها أكثر صعوبة.
وبالنسبة إلى واشنطن، يبدو التحدي مزدوجًا: حماية الملاحة في البحر الأحمر من جهة، ومنع تحول القرن الأفريقي إلى مساحة جديدة لتراكم القدرات التي قد تعيد إنتاج التهديد الحوثي خارج اليمن من جهة أخرى.









