> إكرام فرج:

  • الجفاف أجبر النحالين على الترحال المستمر بحثًا عن المراعي

  • الوادي يواجه أزمة مناخية أثرت في نشاطه السكاني والإنتاجي

  • تسببت الكوارث المائية المتعاقبة في جرف وتضرر المزارع 
 يواجه وادي دوعن، غربي حضرموت، الشهير بإنتاج أجود أنواع العسل والنخيل والذرة، أزمة حادة تؤثر في نشاطه السكاني والإنتاجي، في ظل تراجع متسارع للمساحات المزروعة، وانخفاض أعداد خلايا النحل، وانتشار الأشجار الغازية المؤثرة في سلامة البيئة الزراعية.
وتتفاقم الأزمة بسبب قلة الأمطار التي يتراوح معدلها السنوي بين 60 و100 ملم؛ ما يرفع الاعتماد على خزان الحجر الرملي الجوفي، البالغ مخزونه نحو 182.6 كيلومتر مكعب، والجريان السطحي للسيول المقدر بـ35 إلى 40 مليون متر مكعب سنويًا.

كما تسببت الكوارث المائية المتعاقبة، مثل سيول عامي 2008 و2011 وعاصفة نيسارجا عام 2020، في جرف وتضرر نحو 322 هكتارًا من أصل 3,572 هكتارًا من إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة في الوادي؛ مما يضع النشاط الزراعي وتربية النحل أمام صعوبات اقتصادية وميدانية متزايدة.

ارتفاع التكاليف
في منطقة الهجرين أسفل وادي دوعن، يرصد المزارع سبيت شعيب تحولًا جذريًا في نمط الزراعة وتكاليفها بين الماضي والحاضر. ويؤكد أن الزراعة قبل نحو عشر سنوات كانت تعتمد أساسًا على الري بالغمر، ورغم تقليديته، كانت كلفته مقبولة وتتيح للمزارعين استغلال مساحات شاسعة.

أما اليوم، وعلى الرغم من إدخال التقنيات الحديثة والبذور المحسنة التي سرّعت وتيرة الإنتاج ورفعت جودته، فإن التكاليف التشغيلية ارتفعت بنسبة تجاوزت 80% مقارنة بالفترات السابقة.

ويقول شعيب: «كنا نزرع نحو 20 فدانًا بمحصول البصل، أما اليوم فلا نستطيع زراعة أكثر من 10 أفدنة فقط؛ بسبب التغيرات المناخية وصعوبات التسويق وارتفاع التكاليف التشغيلية».

ويرى أن استخدام منظومات الطاقة الشمسية خفف من حدة أزمة الجفاف بالنسبة للمزارع المعتمدة على المياه الجوفية والآبار؛ مما سمح بالاستمرار في الإنتاج.

وخلال الفترة الماضية، أجبرت عوائق التسويق وتراجع القدرة الشرائية للمستهلك المزارعين على تقليص المساحات المزروعة وإلغاء زراعة محاصيل كاملة لعدم جدواها الاقتصادية.

تراجع الأمطار
يرسم المزارع يسلم بن لسود (35 عامًا) صورة لتدهور الزراعة في الأراضي المعتمدة على الأمطار والسيول، موضحًا لـ«ريف اليمن» أن المحصول سابقًا كان يلبي احتياجات الأسرة ويحقق فائضًا ماليًا يشجع على التوسع، مدعومًا بأسعار المحروقات المناسبة.

أما اليوم، فقد أدى ارتفاع أسعار المشتقات النفطية إلى شلل في تشغيل المعدات والآلات الزراعية، إضافة إلى ارتفاع أجور العمالة؛ مما دفع عددًا من المزارعين إلى ترك أراضيهم والتحول نحو مهن أخرى.

وقال بن لسود: «شهدنا هذا العام تراجعًا كبيرًا في إنتاج النخيل المعتمدة على السيول؛ فبعد أن كنا ننتج نحو 50 كيسًا من التمر بزنة 45 كيلوجرامًا للكيس (بإجمالي 2,250 كيلوجرامًا)، لم ننتج هذا العام سوى 15 كيسًا فقط (نحو 675 كيلوجرامًا)».

ويرجع بن لسود التراجع إلى اضطراب هطول الأمطار وتأثيره في المحاصيل الموسمية كالسمسم، الذي يتطلب ريًا في مواسم محددة مثل نجمي البلدة والطرف خلال الربيع، وهي مواسم مرت خلال العام الحالي دون أمطار.

وتسبب ترك الأراضي الزراعية في انتشار كثيف لشجرة السيسبان الغازية، التي غطت مساحات واسعة وغيرت مسارات السيول الطبيعية، وأدى هذا التغير في مسارات السيول إلى جرف التربة الزراعية الخصبة وتدمير البنية التحتية للحقول.

مخاطر تهدد العسل
يستعرض م. سعيد بانواس، الحاصل على ماجستير في علوم وتربية نحل العسل، الأثر المباشر للتغيرات المناخية في واحدة من أهم المقومات الاقتصادية والتراثية لوادي دوعن، وهي تربية النحل وإنتاج العسل الدوعني.

ويوضح بانواس أن ارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 48 درجة مئوية، المصحوب بمعدل تبخر سنوي يتجاوز 2,000 ملم وزيادة فترات الجفاف، خلق ظروفًا قاسية على النحل؛ حيث تتسبب الحرارة فوق 37 درجة مئوية في ذوبان الأقراص الشمعية داخل الخلايا، بينما يتوقف نشاط النحل في جمع الرحيق وحبوب اللقاح عند تجاوز 34 درجة مئوية.

ويضيف بانواس أن الوادي شهد انقطاعًا تامًا لإنتاج عسل المربعي الذي تفرزه أشجار السدر عند هطول أمطار الربيع منذ عام 2018، بسبب تكرار الجفاف وشحة الأمطار التي يتراوح معدلها السنوي بين 60 و100 ملم فقط، مما أدى إلى جفاف التربة وفقدان الرطوبة النباتية وتراجع جودة العسل.

وينعكس التدهور البيئي على الإنتاجية؛ إذ انخفض متوسط إنتاج الخلية الواحدة من 6-7 كيلوجرامات في المواسم الجيدة سابقًا إلى 3-4 كيلوجرامات حاليًا، مما اضطر النحالين إلى الترحال المستمر نحو مديريات ومحافظات أخرى بحثًا عن المراعي، بتكاليف نقل ورعاية تتراوح بين 500 و1,000 دولار أمريكي في الموسم الواحد.

وتكمن خطورة التراجع في أن قطاع النحل يستوعب بين 10 و15% من القوى العاملة في الوادي، ويشكل إنتاج العسل نحو 60% من الناتج الزراعي الإجمالي لمديرية دوعن، متصدرًا المحاصيل النقدية رغم صعوبات التسويق وغياب المختبرات المعتمدة.

ويؤكد الواقع أن وادي دوعن لا يواجه مجرد تراجع موسمي عابر، بل تحولًا يهدد نشاطه الاقتصادي والاجتماعي؛ حيث يجد النحال والمزارع نفسه بين ضغط التغيرات المناخية وارتفاع التكاليف التشغيلية وصعوبات التسويق.

وخلال السنوات الماضية، تسببت التغيرات المناخية وتداعيات الحرب في تراجع القطاع الزراعي في اليمن، كما انعكست سلبًا على النحالين وانخفاض إنتاج العسل الذي يشكل المصدر المعيشي الأساسي لآلاف الأسر.
«ريف اليمن»