> «الأيام» المخا للدراسات الاستراتيجية:
بين شعار الموت لأمريكا والجلوس إلى مفاوضة الأمريكيين، تبدو المليشيا الحوثية، للوهلة الأولى، أمام تناقض مفاده: كيف تتحول المليشيات التي تقدم نفسها كعدو مركزي في التعبئة العقائدية إلى طرف ترسل إليه الرسائل، وتطلب منه التهدئة، وتبرم معه التفاهمات؟ لكن السؤال الأدق ليس: هل تفاوض الحوثيون مع الولايات المتحدة؟ فذلك ثابت وموثق علنيًا، السؤال هو: على ماذا تفاوضوا، وبأي قنوات، وما الذي حصلوا عليه فعلًا، وكيف أعادوا تقديمه لجمهورهم؟ فمن الاتصالات التي أقرت بها الخارجية الأمريكية عام 2015، إلى إعلان عمان اتفاق مايو 2025، تتراكم أدلة لا تحتاج إلى افتراض مؤامرة كي تكون ذات دلالة سياسية.
ماذا يعني العداء لأمريكا في البناء الحوثي؟
من هنا لا يلزم لتفسير التفاوض افتراض أن الحوثيين لا يؤمنون بشعارهم، الأرجح تحليليًا أن الاعتقاد والانتقائية العملية يمكن أن يتعايشا، حيث تبقى أمريكا عدوًا في التصور الأيديولوجي، بينما يصبح وقف مواجهتها المباشرة مصلحة مرحلية. والمشكلة السياسية في طريقة تسويقه: هل يصارح جمهور الحوثي بأن القيادة عقدت مقايضة محدودة، أم يطلب منه اعتبار كل تصعيد نصرًا، وكل تراجع نصرًا آخر؟
وتوفر برقية السفارة الأمريكية في صنعاء 09SANAA2185، المؤرخة في 9 ديسمبر 2009، نقطة انطلاق وثائقية بالغة الأهمية. حملت البرقية عنوانًا عن هوية الحوثيين ودوافع قتالهم، وظهرت ضمن تسريبات ويكيليكس، وذكرت أن سياسة السفارة حينها كانت عدم الاتصال المباشر بالحوثيين مراعاةً لحساسية الحكومة اليمنية، وأن المعلومات جُمعت من وسطاء ومصادر بينها حسن زيد، كما لاحظت الفارق في تلك المرحلة بين الشعار المناهض لأمريكا وعدم استهداف المواطنين والمصالح الأمريكية، وأهميتها أنها تظهر أن التمييز بين الخطاب والسلوك كان حاضرًا في التقييم الأمريكي قبل سنوات من المفاوضات المعلنة.
خطاب المواجهة وقنوات التفاهم
ومن ثم، فإن القيمة الأساسية لرواية قيزان لا تكمن في إثبات وجود علاقة سرية مبكرة بين واشنطن والحوثيين، بقدر ما تكمن في إظهار منطق الإدراك الأمريكي للجماعة في تلك المرحلة. فواشنطن لم تكن تتعامل مع الخطاب الحوثي بوصفه معيارًا كافيًا للحكم على مستوى التهديد، وإنما كانت تنظر أيضًا إلى السلوك الفعلي، والقدرات المتاحة، والأهداف العملياتية.
ويفسر هذا التمييز جانبًا من طبيعة التعامل الأمريكي اللاحق مع الحوثيين؛ إذ أمكن لواشنطن أن تنظر إلى الجماعة بوصفها خصمًا أيديولوجيًا وفاعلًا مسلحًا إشكاليًا، من دون أن تضعها بالضرورة في مستوى التهديد ذاته الذي مثّله تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.
الإدماج السياسي للحوثيين ومسار التمكين
من هذه الزاوية، لا تثبت تجربة الحوار وجود تفضيل أمريكي للحوثيين، لكنها تكشف عن تقدير للمخاطر تبين لاحقًا أن له حدودًا: فقد افترضت المقاربة الانتقالية أن إدماج المليشيا سياسيًا يمكن أن يسبق معالجة احتكارها للقوة المسلحة. ومع تمدد الحوثيين عسكريًا خلال 2013–2014، ظهر أن المشاركة السياسية لم تكن بالضرورة بديلًا عن استخدام القوة، بل أمكن للجماعة أن تعمل في المسارين بالتوازي.
من مراقبة المليشيا إلى مخاطبتها مباشرة 2015–2016
وكانت السياسة الأمريكية تعمل على مسارين متعارضين ظاهريًا: ففي مارس 2015 أعلنت إدارة باراك أوباما "تقديم دعم لوجستي واستخباري للعملية العسكرية التي تقودها السعودية"، ثم أقرت الخارجية الأمريكية في 2 يونيو 2015 بأن مسؤولين أمريكيين التقوا ممثلين للحوثيين في عمان خلال الأسبوع السابق، وبرز اسم آن باترسون، مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، في هذه التحركات. وصفت التغطية تلك الاجتماعات بأنها أول محادثات يُعترف بها علنًا منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء، لا أول اتصال محتمل في تاريخ العلاقة.
ثم جاءت محطة تفاوضية أكثر وضوحًا، حيث نقلت رويترز أن كيري التقى الحوثيين في عمان مساء 14 نوفمبر 2016، وأعلن في اليوم التالي تفاهمًا لوقف الأعمال القتالية اعتبارًا من 17 نوفمبر، بشرط التزام الأطراف، ضمن تصور لتسوية سياسية، لكن وزير الخارجية اليمني آنذاك عبد الملك المخلافي رفض الإعلان، مؤكدًا عدم علم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا به.
التواصلات خلال فترة ولاية ترامب الأولى
أما الصفقة الأوضح في ولاية الرئيس ترامب الأولى، فجاءت في 14 أكتوبر 2020، عندما أُفرج عن الأمريكيين ساندرا لولي وميكائيل جيدادا، وأُعيدت رفات بلال فاتين، مقابل ترتيبات شملت عودة أكثر من مئتي مقاتل حوثي من عُمان إلى اليمن، وأعلن مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين نجاح العملية.
لذلك، فإن الحديث عن الاتفاق الذي عقده الحوثيون مع إدارة ترامب ينبغي ألا يختزل التاريخ في مايو 2025، فقد سبقته في ولايته الأولى صفقة محتجزين تختلف جذريًا عن اتفاق وقف الاستهداف في ولايته الثانية. الخلط بينهما يمحو تطور العلاقة من ترتيبات إنسانية وأمنية محدودة إلى مقايضة مرتبطة باستخدام القوة والملاحة.
تواصلات خلال رئاسة الرئيس بايدن
وفي 3 مارس 2021، كشفت رويترز، نقلًا عن مصدرين مطلعين، أن المبعوث الأمريكي إلى اليمن تيموثي ليندركينغ التقى كبير المفاوضين الحوثيين محمد عبد السلام في مسقط يوم 26 فبراير، وتناولت الاتصالات الدفع نحو تسوية ووقف الهجوم على مأرب.
وتكتسب شهادة ليندركينغ المكتوبة أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، بتاريخ 21 أبريل 2021، أهمية بارزة، فقد قدمت الحوثيين مكونًا لا بد من إدماجه في حل سياسي، وربطت ذلك بالمشاركة السلمية والجادة، وفي يونيو 2021 حصل التباس عندما أثار وصف ليندركينغ الحوثيين بأنهم فاعل شرعي جدلًا، أعقبه توضيح من الخارجية يؤكد الاعتراف بالحكومة اليمنية لا بحكومة الحوثيين.
ادعاء حوثي بعرض أمريكي
ونقلت رويترز في 16 سبتمبر 2024 عن القيادي الحوثي محمد البخيتي أن الولايات المتحدة عرضت الاعتراف بحكومة مليشيا الحوثي مقابل وقف الهجمات، وفي التقرير ذاته نقلت نفيًا من مسؤولين أمريكيين، وصف أحدهما الادعاء بأنه مختلق بالكامل.
ضغط عسكري وصفقة مايو 2025
عاد ترامب إلى البيت الأبيض، وأصدر في 22 يناير 2025 أمرًا ببدء إجراءات إعادة تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، ودخل التصنيف حيز النفاذ عند نشره في السجل الفيدرالي في 5 مارس 2025؛ وهو تاريخ ينبغي تمييزه عن تاريخ الإعلان السياسي السابق له.
وربط التحقيق التقدم الدبلوماسي باجتماعات في واشنطن يوم 5 مايو شارك فيها وزير الدفاع بيت هيغسيث، قبل إعلان الاتفاق في اليوم التالي، وأكد عبد السلام أن التواصل مع الأمريكيين جرى عبر عُمان، ونقلت الوكالة عن مصدرين أن إيران شجعت الحوثيين على التفاوض، وكان وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي الوجه الدبلوماسي البارز لإعلان النتيجة، فيما أعلن ترامب وقف الحملة، مقدمًا القرار بوصفه استجابة لتراجع الحوثيين عن مهاجمة المصالح الأمريكية.
ما الذي يقوله الاتفاق فعليًا وما الذي لا يقوله؟
وربط البيان النتيجة بحرية الملاحة وانسياب الشحن التجاري، لكنه لم ينشر معاهدة مفصلة، أو آلية تحقق، أو مدة زمنية، أو ترتيبات لنزع السلاح وتسوية الحكم في اليمن، كما لم يتضمن رفع العقوبات عن المليشيا. لذلك، فالوصف الأكثر تحفظًا هو اتفاق متبادل لوقف الاستهداف ذي نطاق معلن محدود.
هل توسل الحوثيون إلى ترامب، أم أجبروا أمريكا على الانسحاب؟
قدم ترامب النتيجة باعتبارها تراجعًا حوثيًا، وروى أن الحوثيين طلبوا وقف القصف مقابل عدم مهاجمة السفن الأمريكية، وتضيف مادة منشورة في دليل المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب، التابع لمكتب مدير الاستخبارات الوطنية والمحدثة حتى يناير 2026، عنصرًا مهمًا؛ إذ تصف المليشيا بأنها سعت إلى خفض التصعيد وتوصلت إلى وقف لإطلاق النار في مايو 2025. هذه خلاصة تقييم استخباري علني تدعم وجود رغبة حوثية في التهدئة.
اختبار الاتفاق بما حدث بعده
وفي يوليو 2025، أُغرقت السفينتان ماجيك سيز وإتيرنيتي سي، اللتان كانتا ترفعان علم ليبيريا وتديرهما شركات يونانية. لا يصح، دون تدقيق، اعتبار ذلك خرقًا تلقائيًا لكل بند في التفاهم الخاص بعدم الاستهداف الأمريكي، لكنه يبرهن أن الاتفاق لم يكن إنهاءً عامًا لخطر الهجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
ويسجل المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب (NCTC)، في دليل مكافحة الإرهاب المحدث حتى يناير 2026، أن مليشيا الحوثي نفذت ما لا يقل عن 200 هجوم بحري ضد السفن التجارية الدولية والسفن البحرية الأمريكية والحليفة بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2025، وأسفرت هذه الحملة، وفق التقييم الأمريكي، عن إغراق ما لا يقل عن أربع سفن تجارية.
تفاهمات مسقط سبتمبر 2026
وبعد ذلك بأيام، انتقلت الاتصالات إلى لقاء مباشر في مسقط، ففي 16 سبتمبر 2026، كشفت رويترز، نقلًا عن مصادر مطلعة، أن مسؤولين أمريكيين التقوا ممثلين عن الحوثيين خلال عطلة نهاية الأسبوع في السفارة الأمريكية بمسقط، في اجتماع غير معلن ساعدت سلطنة عُمان في ترتيبه. وبحسب مصدرين، أبلغ ممثلو الحوثيين الجانب الأمريكي أنهم لا يعتزمون استهداف السفن الأمريكية، وأنهم ملتزمون بتفاهم وقف إطلاق النار الذي توصل إليه الطرفان في مايو 2025.
كما نقل مصدر يمني أن المليشيا تعهدت بعدم استهداف السفن الإسرائيلية أو السفن التجارية الأخرى، مع استثناء السفن السعودية، وذكرت المصادر أن الجانب الأمريكي مثله موظفون في السفارة، فيما ضم الوفد الحوثي محمد عبد السلام وعبد الملك العجري. ولم يصدر عن الاجتماع بيان مشترك أو نص اتفاق معلن، كما امتنعت الخارجية الأمريكية عن تأكيد تفاصيل اللقاء.
خاتمة
من «الموت لأمريكا» إلى ضمان عدم استهداف السفن الأمريكية؛ يمكن اختزال المسار الذي يتتبعه التقرير في هذه المسافة السياسية الواسعة بين الشعار والممارسة. فالمليشيا التي جعلت الولايات المتحدة، منذ نشأتها، مركزًا ثابتًا في خطابها العقائدي والتعبوي، انتهت إلى التفاوض معها على قواعد واضحة تضبط المواجهة وتحمي مصالحها من الاستهداف، حتى أصبحت المليشيا أحرص الناس على المصالح الأمريكية.
ماذا يعني العداء لأمريكا في البناء الحوثي؟
يربط الباحث بيتر سالزبري، في دراسته الصادرة عن تشاتام هاوس في فبراير 2015، نشأة المليشيا ببيئة الإحياء الزيدي وتنظيم الشباب المؤمن، ثم بتصاعد خطاب حسين بدر الدين الحوثي المناهض للسياسات الأمريكية، ويشير إلى تأثر الصرخة بالنموذج الثوري الإيراني، لكنه يقدم ملاحظة مهمة، فقد كان الاعتقاد الأيديولوجي حاضرًا، بالتوازي مع تعديل الخطاب العلني لتوسيع قاعدة التأييد، وهذه قراءة للمليشيا السياسية وقيادتها.
وتوفر برقية السفارة الأمريكية في صنعاء 09SANAA2185، المؤرخة في 9 ديسمبر 2009، نقطة انطلاق وثائقية بالغة الأهمية. حملت البرقية عنوانًا عن هوية الحوثيين ودوافع قتالهم، وظهرت ضمن تسريبات ويكيليكس، وذكرت أن سياسة السفارة حينها كانت عدم الاتصال المباشر بالحوثيين مراعاةً لحساسية الحكومة اليمنية، وأن المعلومات جُمعت من وسطاء ومصادر بينها حسن زيد، كما لاحظت الفارق في تلك المرحلة بين الشعار المناهض لأمريكا وعدم استهداف المواطنين والمصالح الأمريكية، وأهميتها أنها تظهر أن التمييز بين الخطاب والسلوك كان حاضرًا في التقييم الأمريكي قبل سنوات من المفاوضات المعلنة.
خطاب المواجهة وقنوات التفاهم
تكشف مرحلة 2009-2013 عن جانب مهم في فهم الأساس الذي بُني عليه التعامل الأمريكي اللاحق مع الحوثيين، فبرقية السفارة الأمريكية في صنعاء المؤرخة في ديسمبر 2009 أشارت إلى أن سياسة السفارة كانت تقوم على عدم الاتصال المباشر بالجماعة، مراعاةً لحساسية الحكومة اليمنية، لكنها في الوقت نفسه ميّزت بين الخطاب الحوثي شديد العداء للولايات المتحدة وبين السلوك العملياتي للجماعة، التي لم تكن في تلك المرحلة تستهدف المواطنين أو المصالح الأمريكية، ويكشف ذلك عن طبيعة الإدراك الأمريكي للحوثيين آنذاك، وعن موقعهم ضمن سلم التهديدات التي كانت واشنطن تضعها في اليمن.
وفي هذا السياق، تكتسب شهادة د. محمد قيزان، وكيل وزارة الإعلام، أهمية تفسيرية، مع ضرورة التعامل معها ضمن حدود قيمتها التوثيقية، يروي قيزان أنه خلال مناسبة عامة سأل السفير الأمريكي لدى اليمن آنذاك جيرالد فايرستاين، في أواخر عام 2010، عن موقف واشنطن من الحوثيين وشعار "الموت لأمريكا"، وبحسب روايته، أبلغه السفير بوجود تواصل مع الجماعة، شمل زيارات إلى صعدة ولقاءات مع عبد الملك الحوثي، مع نفي وجود تنسيق معها، كما ينسب إليه تفسير الشعار باعتباره أداة للتعبئة السياسية، وليس مؤشرًا بالضرورة على نية عملياتية لاستهداف الأمريكيين.
وتنسجم هذه الرواية، في جانب منها، مع موقف علني لاحق لفايرستاين، ففي مقابلة منشورة في يوليو 2012، سُئل عن مدى جدية الحوثيين في شعار "الموت لأمريكا"، فأجاب بالنفي، وقال إن الولايات المتحدة لم تكن تعتبر الحوثيين أعداء، ولم توافق على وصفهم بأنهم يدعمون الإرهاب، مرجحًا أن الجماعة تستخدم خطاب العداء لأمريكا لما يوفره لها من قدرة على الحشد والتعبئة، وقد تناولت دراسات أكاديمية لاحقًا هذه القراءة لوظيفة الشعار باعتباره أداة تعبئة سياسية.
ويفسر هذا التمييز جانبًا من طبيعة التعامل الأمريكي اللاحق مع الحوثيين؛ إذ أمكن لواشنطن أن تنظر إلى الجماعة بوصفها خصمًا أيديولوجيًا وفاعلًا مسلحًا إشكاليًا، من دون أن تضعها بالضرورة في مستوى التهديد ذاته الذي مثّله تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.
الإدماج السياسي للحوثيين ومسار التمكين
تزداد هذه الصورة وضوحًا خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت 2011، ففي تلك الفترة لم تتجه السياسة الأمريكية إلى عزل الحوثيين عن العملية السياسية بسبب امتلاكهم السلاح أو خطابهم المناهض لواشنطن؛ بل دعمت إدماجهم في مؤتمر الحوار الوطني، وفي فبراير 2013 أعلنت الخارجية الأمريكية رسميًا أن المشاركة الكاملة لجميع مكونات المجتمع اليمني، وذكرت الحوثيين بالاسم، أمر أساسي لنجاح الحوار، وشارك الحوثيون بالفعل في المؤتمر ضمن 35 مقعدًا من أصل 565.
وفي مقال نشره محمد جميح عام 2017، قال إن أصواتًا يمنية طالبت قبل مؤتمر الحوار باشتراط تسليم الحوثيين السلاح والدخول كطرف سياسي مقابل مشاركتهم، وإن السفير فايرستاين دفع، وفق روايته، باتجاه قبولهم في الحوار رغم احتفاظهم بالسلاح، أما النتيجة الموضوعية التي يمكن توثيقها، فهي أن المليشيا دخلت الحوار وهي محتفظة ببنيتها المسلحة، وأن دراسات لاحقة للعملية الانتقالية لاحظت صراحة أن مشاركتها لم تكن مشروطة بالتخلي عن الأسلحة المتوسطة والثقيلة، وأن تخصيص المقاعد للحوثيين منحهم وزنًا سياسيًا في الوقت الذي استمرت فيه مواجهاتهم المسلحة في شمال البلاد.
من مراقبة المليشيا إلى مخاطبتها مباشرة 2015–2016
في 29 يناير 2015، نشرت وول ستريت جورنال تقريرًا عن توسيع واشنطن اتصالاتها بالحوثيين، في سياق البحث عن انتقال سياسي مستقر ومواجهة تنظيم القاعدة. كان ذلك مؤشرًا على انتقال المليشيا، في الحسابات الأمريكية، من موضوع للمراقبة إلى جهة ينبغي التعامل مع قدرتها على التأثير.
ارتبطت القناة العمانية آنذاك بالمسار السياسي وبملف المحتجزين الأمريكيين، وفي مطلع يونيو أُفرج عن الصحفي الأمريكي كيسي كومبس ونُقل إلى عمان، بينما ظهرت تصريحات المتحدثة باسم الخارجية ماري هارف حول الاتصالات والجهود العمانية، بذلك لم تكن مسقط مجرد مكان لاجتماع استثنائي؛ كانت قناة تستطيع الجمع بين الوصول إلى الحوثيين، والتواصل مع واشنطن، وتسوية مسائل إنسانية عاجلة.
وتكرر تداخل المسارين الإنساني والسياسي عام 2016، ففي تصريحات رسمية خلال أكتوبر، أشار وزير الخارجية جون كيري إلى الإفراج عن أمريكيين، وإلى ترتيبات شملت نقل وفد الحوثيين والمؤتمر الشعبي العام من مسقط إلى صنعاء وإجلاء جرحى، وفي 14 نوفمبر التقى كيري السلطان قابوس بن سعيد والوزير يوسف بن علوي، وشددت الخارجية الأمريكية على دعم جهود المبعوث الأممي إسماعيل ولد الشيخ أحمد.
التواصلات خلال فترة ولاية ترامب الأولى
في 5 سبتمبر 2019، أعلن ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، خلال زيارة إلى السعودية، أن واشنطن تجري محادثات مع الحوثيين بحثًا عن حل تفاوضي مقبول، وكانت وول ستريت جورنال قد تحدثت عن التحضير لفريق تفاوضي يقوده السفير كريستوفر هنزل، والأكثر دلالة هو تعليق القيادي الحوثي حميد عاصم لوكالة فرانس برس: امتنع عن تأكيد المحادثات أو نفيها، لكنه اعتبر إعلان الولايات المتحدة أنها تتحدث معهم انتصارًا كبيرًا ودليلًا على صواب موقفهم. هنا تظهر قيمة الاعتراف الإجرائي بالمليشيا طرفًا للمحادثة، حتى قبل تحقق اتفاق: تستطيع المليشيا تحويل مجرد مخاطبتها من قوة كبرى إلى رصيد داخلي.
لذلك، فإن الحديث عن الاتفاق الذي عقده الحوثيون مع إدارة ترامب ينبغي ألا يختزل التاريخ في مايو 2025، فقد سبقته في ولايته الأولى صفقة محتجزين تختلف جذريًا عن اتفاق وقف الاستهداف في ولايته الثانية. الخلط بينهما يمحو تطور العلاقة من ترتيبات إنسانية وأمنية محدودة إلى مقايضة مرتبطة باستخدام القوة والملاحة.
تواصلات خلال رئاسة الرئيس بايدن
في فبراير 2021، ألغت إدارة الرئيس جو بايدن تصنيفي الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية وكيانًا إرهابيًا عالميًا محددًا، اللذين أُقرا في نهاية إدارة ترامب الأولى، وأعلن وزير الخارجية أنتوني بلينكن أن الإلغاء يدخل حيز التنفيذ في 16 فبراير، مبررًا القرار بتداعيات التصنيف الإنسانية. ولم يكن البيان اعترافًا بحكومة الحوثيين، ولا إلغاءً لجميع العقوبات المتعلقة بقياداتهم.
وتكتسب شهادة ليندركينغ المكتوبة أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، بتاريخ 21 أبريل 2021، أهمية بارزة، فقد قدمت الحوثيين مكونًا لا بد من إدماجه في حل سياسي، وربطت ذلك بالمشاركة السلمية والجادة، وفي يونيو 2021 حصل التباس عندما أثار وصف ليندركينغ الحوثيين بأنهم فاعل شرعي جدلًا، أعقبه توضيح من الخارجية يؤكد الاعتراف بالحكومة اليمنية لا بحكومة الحوثيين.
ادعاء حوثي بعرض أمريكي
مع أزمة البحر الأحمر، برز مسار ينبغي تمييزه عن الاتصال المباشر بالحوثيين، ففي مارس 2024 كشفت فايننشال تايمز عن محادثات غير مباشرة جرت في عُمان خلال يناير بين وفدين أمريكي وإيراني، شارك من الجانب الأمريكي بريت ماكغورك وأبرام بالي، ومن الجانب الإيراني علي باقري كني، ونقل العمانيون الرسائل بينهما. تناولت المحادثات هجمات البحر الأحمر إلى جانب الملف النووي. وكانت هذه محادثات مع إيران بشأن الحوثيين، لا اجتماعًا أمريكيًا حوثيًا.
ضغط عسكري وصفقة مايو 2025
عاد ترامب إلى البيت الأبيض، وأصدر في 22 يناير 2025 أمرًا ببدء إجراءات إعادة تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، ودخل التصنيف حيز النفاذ عند نشره في السجل الفيدرالي في 5 مارس 2025؛ وهو تاريخ ينبغي تمييزه عن تاريخ الإعلان السياسي السابق له.
ثم بدأت الحملة العسكرية الأمريكية ضد الحوثيين (راف رايدر) في 15 مارس، ووفقًا لتحقيق وكالة رويترز المنشور في 13 مايو 2025، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين، رصدت واشنطن مؤشرات خلال أول عطلة نهاية أسبوع في مايو على رغبة الحوثيين في مخرج من المواجهة، وتحرك المبعوث ستيف ويتكوف عبر الوساطة العمانية، التي تواصلت مع محمد عبد السلام، بينما نُقلت المقترحات إلى عبد الملك الحوثي.
ما الذي يقوله الاتفاق فعليًا وما الذي لا يقوله؟
يبقى بيان وزارة الخارجية العمانية الصادر في 6 مايو 2025 أهم مرجع أولي لفهم المضمون المعلن. قال إن الاتصالات بين الولايات المتحدة وجماعة الحوثي أفضت إلى وقف لإطلاق النار، ونص على ألا يستهدف أي منهما الآخر، بما في ذلك السفن الأمريكية في البحر الأحمر وباب المندب.
هل توسل الحوثيون إلى ترامب، أم أجبروا أمريكا على الانسحاب؟
قدم ترامب النتيجة باعتبارها تراجعًا حوثيًا، وروى أن الحوثيين طلبوا وقف القصف مقابل عدم مهاجمة السفن الأمريكية، وتضيف مادة منشورة في دليل المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب، التابع لمكتب مدير الاستخبارات الوطنية والمحدثة حتى يناير 2026، عنصرًا مهمًا؛ إذ تصف المليشيا بأنها سعت إلى خفض التصعيد وتوصلت إلى وقف لإطلاق النار في مايو 2025. هذه خلاصة تقييم استخباري علني تدعم وجود رغبة حوثية في التهدئة.
اختبار الاتفاق بما حدث بعده
لو كان اتفاق مايو اعترافًا شاملًا بالحوثيين أو انتقالًا إلى الشراكة، لكان متوقعًا أن ترافقه مؤشرات تطبيع سياسي واقتصادي، لكن وزارة الخزانة الأمريكية أعلنت في 20 يونيو 2025 عقوبات شملت أربعة أشخاص واثني عشر كيانًا وسفينتين ضمن شبكات مرتبطة بتمويل الحوثيين وتجارة النفط والشحن. لا تنفي العقوبات إمكان استمرار الاتصالات، لكنها تنقض مساواة وقف القصف بإنهاء سياسة الضغط.
ويسجل المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب (NCTC)، في دليل مكافحة الإرهاب المحدث حتى يناير 2026، أن مليشيا الحوثي نفذت ما لا يقل عن 200 هجوم بحري ضد السفن التجارية الدولية والسفن البحرية الأمريكية والحليفة بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2025، وأسفرت هذه الحملة، وفق التقييم الأمريكي، عن إغراق ما لا يقل عن أربع سفن تجارية.
تفاهمات مسقط سبتمبر 2026
في 12 سبتمبر 2026، نقلت رويترز أن ترامب أكد، في محادثة له مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أن الحوثيين اتصلوا بإدارته وطلبوا ألا تتدخل الولايات المتحدة مباشرة في القتال، وجاء ذلك في سياق تقدم الحوثيين على الساحل والقلق المتجدد بشأن باب المندب.
كما نقل مصدر يمني أن المليشيا تعهدت بعدم استهداف السفن الإسرائيلية أو السفن التجارية الأخرى، مع استثناء السفن السعودية، وذكرت المصادر أن الجانب الأمريكي مثله موظفون في السفارة، فيما ضم الوفد الحوثي محمد عبد السلام وعبد الملك العجري. ولم يصدر عن الاجتماع بيان مشترك أو نص اتفاق معلن، كما امتنعت الخارجية الأمريكية عن تأكيد تفاصيل اللقاء.
خاتمة
من «الموت لأمريكا» إلى ضمان عدم استهداف السفن الأمريكية؛ يمكن اختزال المسار الذي يتتبعه التقرير في هذه المسافة السياسية الواسعة بين الشعار والممارسة. فالمليشيا التي جعلت الولايات المتحدة، منذ نشأتها، مركزًا ثابتًا في خطابها العقائدي والتعبوي، انتهت إلى التفاوض معها على قواعد واضحة تضبط المواجهة وتحمي مصالحها من الاستهداف، حتى أصبحت المليشيا أحرص الناس على المصالح الأمريكية.








