> واشنطن«الأيام» العرب اللندنية:

​في خطوة دراماتيكية تعكس حجم الصراع المكتوم داخل أروقة صناعة القرار العسكري في الولايات المتحدة، أقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بشكل مفاجئ الفريق بريت سيلفيا، مدير إدارة الاستراتيجية والخطط والسياسات (J5) في هيئة الأركان المشتركة. 

ولم تكن هذه الإطاحة بكبير المخططين العسكريين في البنتاغون مجرد تغيير إداري روتيني، بل جاءت كصدمة مدوية فجّرتها اتهامات ثقيلة تتعلق بتسريب معلومات عسكرية "سرية للغاية" إلى وسائل الإعلام، بالتزامن مع بلوغ التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ذروتها، ودراسة البيت الأبيض لخيارات ضربات عسكرية محتملة ضد إيران.

تعتبر إدارة الاستراتيجية والخطط والسياسات  العقل المدبر لكل التحركات العسكرية الأميركية عبر البحار؛ فهي الجهة المسؤولة مباشرة عن صياغة خطط الحروب، وتوزيع القوات، ووضع سيناريوهات التدخل العسكري وإدارة الأزمات الدولية. 

وبوصفه مديرًا لهذه الإدارة الحساسة، كان الفريق بريت سيلفيا يمسك بأكثر الملفات العسكرية سرية وتعقيدًا.

تؤكد مصادر مطلعة من داخل وزارة الدفاع أن قرار الإقالة الفوري الذي اتخذه وزير الدفاع بيت هيغسيث جاء بناءً على تحقيقات داخلية عاجلة ربطت بين الفريق سيلفيا وتسريب تفاصيل دقيقة وحرجة لوسائل إعلام أميركية ودولية. هذه التسريبات لم تمس الخطط التشغيلية العادية فحسب، بل عرضت تقييمات استخباراتية وعسكرية حساسة تتعلق بقدرات الردع الجوي والدفاعي في مناطق النزاع المشتعلة.

لا يمكن فصل توقيت الإقالة عن المشهد الإقليمي المتفجر في الشرق الأوسط. فبينما تحاول الإدارة الأميركية الحالية إعادة رسم خارطة تحالفاتها، يدرس البيت الأبيض بجدية خيارات متعددة لتوجيه ضربات عسكرية رادعة أو عمليات نوعية ضد أهداف استراتيجية ومقرات تابعة لإيران وفصائلها في المنطقة.

يوضح محللون عسكريون أن خطط الضربات العسكرية ضد إيران تتطلب سرية مطلقة وتنسيقًا معقدًا يفوق الخطط التقليدية.
 
وعندما تخرج تفاصيل هذه الخيارات أو الجداول الزمنية الافتراضية إلى العلن عبر الصحافة، فإن ذلك لا يفقد العمليات عنصر المفاجأة فحسب، بل يمنح طهران وحلفاءها فرصة لإعادة التموضع والتحوط، وهو ما اعتبره وزير الدفاع هيغسيث "خطًا أحمر" يهدد الأمن القومي الأميركي بشكل مباشر ويسلخ الهيبة عن القيادة العسكرية.

ومنذ توليه حقيبة الدفاع، أبدى بيت هيغسيث حزمًا كبيرًا في التعامل مع ما يصفه بـ"الدولة العميقة" أو مراكز القوى التقليدية داخل البنتاغون التي تحاول عرقلة أو تسريب التوجهات السياسية للإدارة المدنية. وجاءت إقالة سيلفيا لترسل رسالة واضحة وصارمة لكافة القادة العسكريين.

وصرح مسؤولون في الإدارة الدفاعية الأميركية بأن هيغسيث يرى في تسريب الخطط العسكرية بمثابة "خيانة للأمانة المهنية" وتقويضًا لسلامة الجنود المنتشرين في القواعد الأمامية. 

الصرامة التي عولج بها ملف الفريق سيلفيا تعكس رغبة الإدارة في فرض سيطرة مدنية كاملة وإعادة الانضباط الصارم إلى هيئة الأركان المشتركة، مع التلويح بأن منزلة القائد أو رتبته العسكرية لن تحميه من المحاسبة إذا ثبت تورطه في إفشاء خطط "مخطط الحروب".

أحدثت الإقالة هزة ارتدادية في الأوساط السياسية والدفاعية في واشنطن، وتوالت المواقف التي تكشف حجم الصدع بين القيادة المدنية والعسكرية.

وأعلنت المتحدثة باسم البنتاغون في بيان مقتضب "أجرى وزير الدفاع بيت هيغسيث تغييرًا في قيادة إدارة الاستراتيجية والخطط والسياسات بهيئة الأركان المشتركة. نحن ملتزمون بأعلى معايير الانضباط والحفاظ على سرية المعلومات الاستراتيجية لضمان نجاح مهام قواتنا المسلحة وحماية أمننا القومي".

ويرى نواب في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي أن الإقالة مبررة تمامًا، معتبرين أن البنتاغون عانى لسنوات من "نزيف التسريبات المسيسة" التي تستهدف إحباط القرارات الرئاسية، وأن تنظيف البيت الداخلي خطوة لا بد منها قبل الإقدام على أي مواجهة عسكرية كبرى.

وعلق قادة عسكريون متقاعدون لشبكات إخبارية، معربين عن قلقهم من أن تؤدي هذه الإقالة المفاجئة لكبير المخططين في هذا التوقيت الحساس إلى إرباك مرحلي في صياغة الاستراتيجيات، مما قد يؤثر على سرعة استجابة القوات الأمريكية في حال اندلاع مواجهة شاملة ومفاجئة مع إيران.

تفتح هذه الإطاحة الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة داخل البنتاغون.

تثبت إقالة الفريق بريت سيلفيا أن القيادة الدفاعية الأميركية الحالية لن تتسامح مع أي تراخٍ أو تسييس للملفات العسكرية. 

لقد أضحت إدارة الـ J5 بلا رأس في لحظة حرجة تتطلب أعلى درجات التركيز والجاهزية، مما يضع عبئًا إضافيًا على عاتق وزير الدفاع لإيجاد البديل القادر على قيادة "مطبخ الحروب" بكفاءة وسرية تامة.

نزعت الإقالة الفورية فتيل أزمة التسريبات الداخلية، لكنها في الوقت نفسه سلطت الأضواء على حجم الجدل الدائر خلف الأبواب المغلقة حول مدى جدوى وتكلفة توجيه ضربات عسكرية لإيران. 

ومع رحيل سيلفيا، يبقى السؤال الأبرز في واشنطن: هل نجح هيغسيث في تأمين جبهته الداخلية بالكامل، أم أن صندوق الأسرار العسكرية سيسرب المزيد من المفاجآت؟