> «الأيام» العرب اللندنية:

​تعكس لقاءات وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع نظيريه الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف، على هامش اجتماع وزراء خارجية مجموعة العشرين في أتلانتا، تحركا دبلوماسيا يسعى إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع قوتين دوليتين مؤثرتين، وسط أزمات اليمن واضطراب الملاحة في هرمز وباب المندب.

ففي اجتماعه مع روبيو، بحث ابن فرحان العلاقات الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن وسبل تطوير التعاون في المجالات ذات الأولوية، إلى جانب القضايا الإقليمية. أما لقاؤه مع لافروف، فركز بصورة أوضح على العلاقات الثنائية والتصعيد في اليمن والتهديدات التي تواجه حركة الملاحة في الممرين البحريين، فضلاً عن جهود تعزيز أمن المنطقة واستقرارها.

ولا يعني عقد اللقاءين أن الرياض تتبنى مسافة واحدة من واشنطن وموسكو أو أنها أطلقت مسار وساطة معلنا، بل يعكس حرصها على إبقاء قنوات التواصل مع الطرفين مفتوحة، في ملفات تتجاوز حدود الإقليم.

يحمل لقاء روبيو بعدا يتجاوز التشاور السياسي، إذ وقّع الوزيران عقد مشاركة الولايات المتحدة في معرض إكسبو 2030 الرياض بصفة "مشارك رسمي"، في خطوة تضيف بعدا اقتصاديا واستثماريا للعلاقة، إلى جانب التعاون السياسي والأمني.

وقالت الخارجية الأميركية إن الاتفاق يطلق التخطيط للجناح الأمريكي ويوسع الفرص التجارية.

كما أن إشارة روبيو إلى بحث الأوضاع في إيران والسودان واليمن مع الوزير السعودي توضح أن أجندة التواصل لا تقتصر على العلاقات الثنائية، بل تشمل ساحات تتقاطع فيها المصالح الأمنية والسياسية للبلدين.

أما اللقاء مع لافروف، فيبقي قنوات التواصل مع موسكو مفتوحة بشأن الأزمات الإقليمية والمصالح الثنائية، فضلا عن التنسيق في "أوبك بلس"، حيث تمثل السعودية وروسيا شريكين رئيسيين في إدارة الإنتاج واستقرار سوق النفط.

ويبرز هذا التحرك في سياق دولي منقسم، إذ انعقد اجتماع مجموعة العشرين وسط خلافات حادة بشأن الحرب في أوكرانيا والتصعيد مع إيران، مع توقعات بألا يصدر بيان مشترك، وأن تكتفي الرئاسة الأميركية ببيان يلخص المناقشات. كما أثار حضور لافروف اعتراضات أوروبية وصلت إلى إلغاء الصورة الجماعية التقليدية. ويبرز ذلك صعوبة بناء توافق دولي جاهز، ويزيد أهمية الاتصالات الثنائية.

يكتسب إدراج مضيق هرمز وباب المندب في مباحثات الأمير فيصل بن فرحان ولافروف دلالة استراتيجية، فالأول يمثل المنفذ البحري الأهم لصادرات النفط والغاز من الخليج، فيما يشكل الثاني بوابة العبور بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويصل التجارة الآسيوية والأوروبية عبر قناة السويس. وأي اضطراب فيهما يرفع كلفة النقل والتأمين ويهدد سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة.

وقد أظهرت المواجهة الأميركية الإسرائيلية الإيرانية التي بدأت في 28 فبراير 2026 مدى هشاشة أمن هرمز. وأدت الهجمات والتهديدات التي طالت السفن التجارية إلى تراجع حركة العبور. وحذرت المنظمة البحرية الدولية في أغسطس من أن عشرات الهجمات على الملاحة تم التحقق منها، وأن آلاف البحارة ظلوا عالقين في الخليج.

ورغم وقف إطلاق النار في أبريل، لم يتحول التفاهم الأميركي الإيراني إلى تسوية مستقرة، إذ تعثر إطار يونيو وتجددت المواجهات، قبل انهياره رسميا في أغسطس وفق تقرير للكونغرس الأميركي. لذلك بقي أمن المضيق رهنا بمسار العلاقة بين واشنطن وطهران.

أما باب المندب، فيواجه تهديدا مختلفا في مصدره المباشر، لكنه متصل بالأزمة الإقليمية نفسها. فالتصعيد الحوثي داخل اليمن امتد إلى استهداف السفن التجارية والتهديدات الموجهة إلى الملاحة في البحر الأحمر، بالتزامن مع هجمات صاروخية ومسيّرة على السعودية. ولا تزال التقديرات البحرية تصنف مستوى التهديد في المضيق مرتفعا، مع احتمال تعرض السفن لصواريخ ومسيّرات وزوارق صغيرة.

فقد كثفت جماعة الحوثي منذ سبتمبر هجماتها على مواقع داخل المملكة، شملت منشآت للطاقة ومناطق في الجنوب والشرق، فيما أعلنت قوات التحالف اعتراض صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة في أكثر من مناسبة خلال أكتوبر.

وأفادت تقارير أممية باتساع المواجهات، مع تحركات حوثية على الساحل الغربي ومناطق قريبة من باب المندب، ورد حكومي وتحالفي مضاد.

وأعلنت قيادة التحالف الثلاثاء اعتراض ثلاثة صواريخ باليستية وأربع طائرات مسيّرة أُطلقت باتجاه المنطقتين الشرقية والجنوبية، فيما أعلن التحالف في اليوم التالي اعتراض مسيّرات أخرى.

وتزامنت هذه الهجمات مع ضربات جوية سعودية على أهداف حوثية داخل اليمن، بما يؤكد تبادل الضغط عبر الحدود.

وتشير هذه التطورات إلى أن الجبهة اليمنية لم تعد محصورة في خطوط القتال الداخلية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بأمن السعودية وممرات التجارة الدولية. فالضغط على المنشآت النفطية والموانئ والسفن لا يهدد المملكة وحدها، بل يربط النزاع اليمني بأمن الطاقة العالمي، ويمنح أي تصعيد في البحر الأحمر أثرا يتجاوز الحسابات المحلية.

ومن هنا تبرز أهمية بحث الملف مع موسكو، بالنظر إلى حضورها الدبلوماسي وعلاقاتها الإقليمية ودورها في سوق الطاقة. غير أن البيان السعودي لم يعلن عن مبادرة روسية أو تفاهم محدد بشأن اليمن، ما يجعل من الأدق قراءة اللقاء باعتباره تشاورا حول المخاطر والخيارات، لا اتفاقا على آلية جديدة للتعامل معها.

تعكس التحركات السعودية سعيا لمنع تحول التوترات في هرمز وباب المندب واليمن إلى أزمة أمنية واقتصادية أشمل، عبر الاستفادة من الشراكة مع واشنطن وإبقاء قنوات التواصل مع موسكو وتعزيز التنسيق الإقليمي.

لكن تعدد الشركاء لا يضمن احتواء المخاطر في ظل تباين مواقف القوى الكبرى. كما أن حماية باب المندب تبقى مرتبطة بتطورات الميدان اليمني، بينما يظل استقرار هرمز رهناً بتفاهم أوسع بين واشنطن وطهران.

وبين لقاء روبيو الذي عزز البعد الاستراتيجي والاقتصادي للعلاقة السعودية الأميركية، ومباحثات لافروف التي وضعت اليمن والممرات البحرية في صدارة النقاش، تبدو الرياض أمام مسار دبلوماسي متعدد القنوات. ويبقى الاختبار في ترجمة الاتصالات إلى خفض التصعيد وتأمين التجارة والطاقة ومنع اتساع المواجهة.