> الرياض "الأيام" العرب:
تتجه العلاقات السعودية السورية إلى مرحلة جديدة تتجاوز التقارب السياسي وإعادة بناء قنوات التواصل، نحو تأسيس شراكة اقتصادية طويلة الأمد، تضع إعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية في صدارة الأولويات.
وتعكس الاتفاقيات التي وقعتها الرياض ودمشق بقيمة 403.6 ملايين دولار توجها سعوديا لترجمة الانفتاح السياسي إلى مشروعات تنموية ملموسة، تمنح الحكومة السورية موارد إضافية للتعافي، وتفتح في المقابل المجال أمام حضور اقتصادي سعودي أوسع في بلد يحتاج إلى استثمارات كبيرة لإعادة بناء بنيته التحتية ومؤسساته.
وتكتسب الاتفاقيات أهمية خاصة بالنظر إلى تنوع القطاعات التي تشملها، من الصحة والإسكان والطاقة إلى المياه والخدمات المالية والتحول الرقمي والتعاون العسكري.
ولا تقتصر دلالتها على حجم التمويلات المعلنة، وإنما تمتد إلى طبيعة المجالات المستهدفة، التي تمس احتياجات أساسية للدولة السورية، وتوفر مدخلا لبناء علاقات اقتصادية تتجاوز المساعدات التقليدية إلى التعاون المؤسسي والاستثماري.
وجاء توقيع الاتفاقيات عقب مباحثات ثنائية في الرياض شارك فيها الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي وصل إلى العاصمة السعودية في زيارة غير معلنة، هي الثانية له خلال شهر واحد.
ويشير تكرار الزيارات إلى استمرار التواصل السياسي بين الجانبين، وإلى رغبة مشتركة في تسريع الانتقال من مرحلة إعادة ترتيب العلاقات إلى مرحلة بلورة مصالح اقتصادية متبادلة.
وتتصدر قطاعات الخدمات الأساسية الجانب الأكبر من الاتفاقيات، إذ يتضمن التمويل المقدم عبر الصندوق السعودي للتنمية تخصيص 100 مليون دولار لدعم القطاع الصحي، من خلال إعادة تأهيل وتجهيز المنشآت المتضررة، إلى جانب 60 مليون دولار لإعادة تأهيل المساكن، تستهدف مرحلتها الأولى نحو عشرة آلاف وحدة سكنية.
كما تشمل الاتفاقيات تخصيص 90 مليون دولار لإعادة تأهيل محطة حلب الحرارية لتوليد الكهرباء، و30 مليون دولار لتطوير أنظمة مياه الشرب في دمشق وإدلب، فضلا عن 105 ملايين دولار لتعزيز قدرات الدفاع المدني، و18.6 مليون دولار لدعم التحول الرقمي وتحديث الخدمات المالية.
وتكشف هذه الأولويات عن إدراك سعودي بأن استقرار سوريا لا يرتبط فقط بالتفاهمات السياسية، وإنما بقدرة مؤسساتها على استعادة الحد الأدنى من الخدمات، وتحسين الظروف المعيشية، وتهيئة بيئة تسمح بعودة النشاط الاقتصادي. فإعادة تأهيل الكهرباء والمياه والمساكن والمنشآت الصحية تشكل شروطا أساسية لعودة السكان والأنشطة الإنتاجية، كما تساعد على تقليص الضغوط الاجتماعية التي تواجه السلطات الجديدة.
وتحمل مشاركة الصندوق السعودي للتنمية دلالة تتجاوز توفير التمويل، باعتبار أن الاتفاقيات تندرج ضمن أدوات التعاون التنموي التي يمكن أن تفتح المجال أمام مشروعات إضافية في قطاعات تحتاج سوريا فيها إلى خبرات وتمويلات خارجية. كما أن تخصيص موارد لتحديث الخدمات المالية والتحول الرقمي يعكس توجها نحو معالجة جوانب مؤسساتية، وليس الاكتفاء بإعادة بناء المنشآت المتضررة.
وتحتاج سوريا إلى أكثر من التمويلات المعلنة حتى تتمكن من استعادة قدرتها الاقتصادية، إذ لا تزال إعادة الإعمار مرتبطة بتحديات تتعلق بالبنية التشريعية، واستقرار المؤسسات، وتوافر الضمانات اللازمة للمستثمرين، فضلا عن القيود المالية والعقوبات التي ظلت تؤثر على قدرتها على جذب رؤوس الأموال الخارجية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التحرك السعودي باعتباره محاولة لبناء قاعدة أولية للتعاون الاقتصادي، تساعد على تهيئة الظروف أمام دخول استثمارات أكبر في المستقبل. فإعادة تأهيل محطة الكهرباء وشبكات المياه والمساكن لا توفر خدمات مباشرة فحسب، بل تخلق أيضا فرصا أمام الشركات العاملة في الإنشاءات والطاقة والخدمات والتكنولوجيا.
وتملك السعودية إمكانات مالية وخبرات واسعة في مجالات البنية التحتية والطاقة والإسكان، ما يجعلها طرفا قادرا على المساهمة في مشروعات التعافي السوري، إذا توافرت الظروف المناسبة للاستثمار. كما أن توسيع التعاون الاقتصادي يمنح العلاقات الثنائية مصالح عملية أكثر استدامة، ويقلل من اعتمادها على التطورات السياسية الظرفية.
وتأتي هذه الخطوات في سياق مسار سعودي أوسع لدعم استقرار سوريا وإعادة دمجها في محيطها العربي، بعد سنوات من العزلة والتراجع الاقتصادي. وتبدو الرياض معنية بأن يتحول الانفتاح السياسي على الإدارة السورية الجديدة إلى مسار تعاون قابل للاستمرار، يقوم على دعم المؤسسات والخدمات وخلق فرص اقتصادية، بدلا من الاقتصار على المواقف الدبلوماسية.
لكن نجاح هذا التوجه سيظل مرتبطا بقدرة الحكومة السورية على تحويل التمويلات إلى نتائج ملموسة، وضمان الشفافية في تنفيذ المشروعات، وتحسين بيئة الأعمال، بما يسمح بتوسيع دائرة الشركاء والمستثمرين.
كما أن حجم الاحتياجات السورية يجعل من الصعب على جهة واحدة تحمل أعباء إعادة الإعمار، الأمر الذي يتطلب مشاركة عربية ودولية أوسع.
وفي هذا السياق، يكتسب إدراج التعاون العسكري ضمن الاتفاقيات المعلنة أهمية في إطار تعدد مجالات العلاقات الثنائية، لكنه لا يبرر تحميل الاتفاقيات دلالات تتعلق بأدوار عسكرية سورية في صراعات إقليمية، ما لم تتوافر معطيات رسمية واضحة تثبت ذلك. فالمعلن حتى الآن يضع التنمية والبنية التحتية والخدمات في صدارة مسار التعاون الجديد.
وتشير المحصلة إلى أن الرياض ودمشق تحاولان الانتقال بعلاقاتهما إلى مستوى أكثر ارتباطا بالمصالح الاقتصادية المباشرة، حيث يصبح التعافي السوري مجالا للتعاون وليس مجرد ملف للمساندة السياسية. وبين احتياجات سوريا الواسعة ورغبة السعودية في توسيع حضورها التنموي والاستثماري، تبدو الاتفاقيات الأخيرة خطوة تأسيسية في مسار طويل، سيبقى نجاحه رهنا بقدرة الطرفين على تحويل التفاهمات المعلنة إلى مشروعات منتجة وشراكة قابلة للاستمرار.



















