أخر تحديث للموقع
الخميس, 11 يونيو 2026 - 01:34 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • العقل السليم... في الإحساس بالآخرين

    د. نادر السقاف




    كثيرًا ما نردد المقولة الشهيرة:«العقل السليم في الجسم السليم»، وهي مقولة لا شك في صحتها من حيث ارتباط الصحة الجسدية بصفاء التفكير واتزان النفس. لكن الإنسان ليس جسدًا فقط، وليس عقلًا منفصلًا عن محيطه، بل هو كائن يعيش داخل شبكة واسعة من العلاقات والتأثيرات المتبادلة. ومن هنا يمكننا أن نتساءل: أليس من تمام سلامة العقل أن يشعر الإنسان بالآخرين؟ أليس العقل السليم هو ذلك العقل الذي يدرك أن راحة الفرد لا تكتمل وسط ألم الجماعة، وأن نجاة الإنسان لا تتحقق بمعزل عن نجاة من حوله؟

    لقد علمتنا الحياة، خصوصًا في المجتمعات التي مرت بالأزمات والحروب وضيق المعيشة، أن الإنسان قد يملك الكثير من الذكاء، لكنه يفتقر إلى الحكمة إن لم يكن قادراً على رؤية أثر أفعاله في الناس. فقد ينجح شخص في جمع المال، أو تحقيق مصلحة خاصة، أو تأمين حاجاته، لكنه إن فعل ذلك على حساب معاناة الآخرين أو استغلال ضعفهم، فإنه لا يبني حياة سليمة، بل يساهم في إضعاف النسيج الذي يحمله ويحمل أبناءه من بعده.

    العقل السليم لا يُقاس فقط بالقدرة على التحليل والحساب واتخاذ القرار، بل يُقاس أيضًا بالإنصاف، وبالنظر إلى الإنسان الآخر باعتباره شريكًا في الحياة لا عبئًا في طريقها. حين يدرك التاجر أن رفع الأسعار بلا رحمة يضاعف وجع البيوت، وحين يدرك المسؤول أن الإهمال في خدمة الناس ليس خطأ إداريًا فحسب بل جرح في كرامة المجتمع، وحين يدرك المواطن أن رمي القمامة في الشارع أو نشر الكراهية أو الصمت أمام الظلم، كلها أفعال صغيرة في ظاهرها، لكنها تترك أثرًا واسعًا في حياة الجميع؛ عندها يصبح العقل أكثر نضجًا واتزانًا.

    إننا كبشر نؤثر ونتأثر، شئنا أم أبينا. الكلمة التي نقولها قد ترفع إنسانًا أو تكسره، والقرار الذي نتخذه قد يفتح باب أمل أو يزيد بابًا من المعاناة، واللامبالاة التي نظنها موقفًا محايدًا قد تكون أحيانًا مشاركة غير مباشرة في استمرار الخطأ. لذلك فإن سلامة العقل تبدأ من إدراك هذه الحقيقة البسيطة والعميقة: لا أحد يعيش وحده، ولا أحد ينجو وحده، ولا أحد يستطيع أن يبني سعادته فوق تعب الآخرين دون أن يعود ذلك عليه بشكل أو بآخر.

    ومن علامات سلامة العقل أيضًا أن يتحرر الإنسان من النظرة الضيقة التي تحصر الخير في حدود الذات أو الأسرة أو الجماعة الصغيرة. فالمجتمع مثل الجسد الواحد؛ إذا ضعفت فيه قيمة الأمانة أو الرحمة أو التعاون، انعكس ذلك على الجميع، حتى على من ظنوا أنهم بعيدون عن الأثر. وحين يسود الوعي بأن كرامة الآخر من كرامتنا، وأن أمنه من أمننا، وأن تعليمه وصحته وفرصته في الحياة ليست شأنًا خاصًّا به وحده، نقترب من معنى أعمق للتحضر الإنساني، حيث يصبح كل فرد لبنة في بناء مشترك لا يكتمل إلا بالجميع.

    في مجتمعنا اليمني، حيث تتشابك المعاناة اليومية مع صبر الناس وكرامتهم، نحتاج إلى إعادة الاعتبار لقيمة الإحساس بالآخرين. لسنا بحاجة دائمًا إلى خطابات كبيرة، بل إلى سلوك يومي بسيط: أن نخفف على من حولنا، أن نعامل الضعيف باحترام، أن نختلف دون أن نجرح، أن نساعد حين نستطيع، وأن نفكر قبل كل تصرف: ما أثر هذا على غيري؟

    كما أن الإحساس بالآخرين لا ينبغي أن يبقى عاطفة عابرة تظهر عند الكوارث ثم تخبو، بل يجب أن يتحول إلى ثقافة يومية ومقياس للسلوك العام. فالمجتمع لا ينهض فقط بالمشاريع الكبيرة، بل ينهض أيضًا حين يحترم الناس أدوارهم الصغيرة: المعلم حين يخلص في تعليمه، والطبيب حين يرى المريض إنسانًا لا رقمًا، والموظف حين يسهّل معاملة محتاج، والجار حين يسأل عن جاره. هذه التفاصيل، وإن بدت بسيطة، تصنع مناخًا عامًا من الثقة، وتعيد للناس شعورهم بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الحياة، بل شركاء في حمل أعبائها وصناعة أملها.

    العقل السليم هو عقل يرى المصلحة العامة جزءًا من المصلحة الخاصة، ويرى أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الحجر، وأن الرحمة ليست ضعفًا بل أرقى صور الوعي. فكلما اتسع إحساسنا بالآخرين، اتسعت إنسانيتنا، وصار المجتمع أكثر قدرة على التعافي.

    لعلنا إذن نضيف إلى المقولة القديمة معنى جديدًا: العقل السليم ليس في الجسم السليم وحده، بل في القلب الذي يشعر، والضمير الذي يستيقظ، واليد التي تعرف أن ما تقدمه للآخرين يعود، بصورة ما، إلى الحياة كلها.

المزيد من مقالات (د. نادر السقاف)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال