الأحد, 28 يونيو 2026
80
لا يحتاج المتابع للمشهد الثقافي والإعلامي الراهن إلى عناء كبير ليدرك أن تضخم "الأنا" الرقمية ليس إلا وجهًا آخر لإفلاس الفكرة؛ فمن لا يلهث خلف الأضواء، يعرف يقينًا أن القيمة لا تُشتق من صخب المتابعين أو تصفيق الجماهير الافتراضية، بل من قدرة النص على الانفصال عن صاحبه ليصبح كيانًا يطرق الوعي ببرودٍ ومسؤولية.
إن الكتابة، بهذا المعنى، ليست طقسًا استعراضيًا أو محاولة لاستجداء القبول، بل هي عملية قاسية لتحرير الفكرة من أسر الخيال الشخصي، ودفعها نحو فضاء القراءة بوصفها "وثيقة" اشتباك مع الواقع، لا مجرد بوح ذاتي عابر.
والكاتب الذي لا يسكنه هاجس "التريند" لا يقيس أثره بضجيج الإعجابات التي تتبخر مع أول "تحديث" للصفحة، بل بمدى نجاح النص في زعزعة اليقين الهش أو فتح أفقٍ تفكيري جديد، ولو أدى ذلك إلى صدمة القارئ بدلاً من استرضائه، فالمهمة هنا ليست الطبطبة على الوعي بل استنهاضه.
الفكرة، حين تخرج إلى العلن، تتحول قسرًا إلى كائن سياسي واجتماعي مستقل، يتجاوز حدود كاتبها ليعيش حياته الخاصة في أذهان القراء؛ قد يلتقطها عابرٌ مجهول في لحظة اصطدام مع الواقع لتصبح أداة للفهم، أو ربما تتحول إلى شرارة صامتة في سياق لم يتوقعه الكاتب نفسه. هكذا تغدو الكتابة فعل مقاومة صموت ضد سيولة النسيان التي تفرضها ثقافة الاستهلاك السريع، وإصرارًا واعيًا على أن يبقى أثر الفكرة حاضرًا في سجل الوعي الجمعي، بعيدًا عن بريق الشهرة الزائف الذي غالبًا ما يحجب الرؤية بدلًا من أن ينيرها.
فالمجد الحقيقي، الذي يستحق العناء، لا يكمن في أن يُشار إلى الكاتب بالبنان كـ "نجم" اجتماعي، بل في أن تُستعاد الفكرة كإضافة صادقة في معركة الوعي الإنساني، حيث يذوب اسم الكاتب في متن النص، وتظل الفكرة وحدها هي التي تواصل الرحلة، محتمية بجديتها في زمن يقدس الخفة والارتحال السريع فوق السطوح. ومن هنا، تكتسب الكتابة مشروعيتها من كونها رسالة مقصودة لمن يملك استعدادًا للتأمل، ولأولئك الذين يدركون أن النص الحي هو الذي لا يموت بمجرد انتهاء القارئ من السطر الأخير.