الأحد, 28 يونيو 2026
80
حين أعلن رئيس وزراء العراق علي الزيدي في يونيو 2026 رفضه عرض رشوة بـ 200 مليون دولار، وأمر باعتقال وكيل وزارة النفط ومدير عام مصافي الشمال، وأقال أكثر من 100 مسؤول إداري، لم يكن يمارس دعاية. كان يطبق مبدأً دستوريًا بسيطًا: المساواة أمام القانون، ولا أحد فوق المحاسبة. وشكّل "المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام" برئاسته لمتابعة هدر المال العام وإرسال نتائج العمل إلى القضاء.
وهنا يقف المواطن اليمني ويسأل سؤالًا مشروعًا: ما الذي يمنعنا من تطبيق المعيار نفسه؟.
إن الفساد الإداري والمالي جريمة يعاقب عليها القانون اليمني. وهو ليس خطأ إجرائيًا يُعالج بتقرير داخلي. حين يتحول إلى سرقة رواتب، وبيع مساعدات إنسانية، وعقود لا تستند إلى تخصيصات معتمدة، وتهريب موارد الدولة، وجباية ضرائب لا تعود على المواطن بخدمة، وانقطاع كهرباء ومياه في عز الأزمة، وانهيار مستشفيات ومدارس، فإنه يصبح اعتداءً مباشرًا على حق المواطن في العيش الكريم المنصوص عليه في الدستور.
لا نطلب اختراع العجلة. نطلب تطبيق القانون. نطلب إجراءات واضحة ومعلنة تبدأ بالتدقيق والتحقيق في العقود الحكومية قبل إبرامها وبعده، وفق ما أقرته الحكومة العراقية مؤخرًا من تشكيل لجان مركزية للتدقيق والتأكد من مطابقتها للقوانين. نطلب مراجعة جباية الضرائب وأين تذهب، وملفات الكهرباء والمياه ولماذا ندفع ثمن خدمة لا نراها، وحساب وزارة الصحة على انهيار المستشفيات ونقص الدواء، ووزارة التربية والتعليم على مدارس بلا كتاب ولا معلم ولا راتب. نطلب قضاءً مستقلًا يفصل في القضايا بلا ضغوط، وشفافية تُنشر فيها نتائج التحقيق والأحكام، لا أسماء قبل صدور حكم بات، احترامًا لقرينة البراءة.
إلى كل من يشغل منصبًا عامًا اليوم: المنصب تكليف لا تشريف، وأمانة ستحاسب عليها أمام القانون أولًا، ثم أمام الشعب والتاريخ. كل قرار إداري أو مالي توقعه اليوم هو وثيقة ستبقى في أرشيف الدولة. فإما أن تكون شاهدًا لك على نزاهة، أو دليلًا عليك في ملف محاسبة.
إن استعادة ثقة المواطن تبدأ بخطوة عملية واحدة: فتح ملفات القطاعات ذات الأثر المباشر على حياة الناس وأمنهم - الأمن، الضرائب، الكهرباء، المياه، الصحة، التربية والتعليم، الجمارك، النفط، الإغاثة، الأراضي، العقود الحكومية - وإحالة كل من تثبت إدانته إلى القضاء، واسترداد المال العام وفق الأطر القانونية. هذا ليس انتقامًا ولا تصفية حسابات. هذا تطبيق لنص المادة 5 من الدستور اليمني: "يقوم النظام السياسي للجمهورية على التعددية السياسية والحزبية، وذلك بهدف التداول السلمي والديمقراطي للسلطة". ولا تداول بلا مساءلة.
أما من يرى في المطالبة بالمحاسبة "تحريضًا" أو "فوضى"، فليعلم أن أخطر ما يهدد السلم الأهلي هو شعور الناس بأن القانون لا يطال الجميع. الصمت الطويل الذي يراه البعض رضًا هو في حقيقته تراكم إحباط. ومسؤولية الدولة هي أن تمنع هذا الإحباط قبل أن يتحول إلى أزمة، عبر إجراءات عادلة وشفافة.
التاريخ لا يسجل أسماء من جلسوا على الكراسي. التاريخ يسجل من احترم القانون حين كان قادرًا على كسره. فاختر لنفسك اليوم: أن تُذكر في سجلات الدولة كمن صان المال العام، أو كمن أهدره.