أخر تحديث للموقع
الأربعاء, 08 يوليو 2026 - 12:57 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • اليمن على مفترق المصير... إلى متى يبقى الوطن رهينة الحرب؟

    د. فضل العزب




    > لم تعد الحرب في اليمن حدثًا عابرًا في سجل السياسة، ولا أزمةً مؤقتةً تنتظر موعدًا للانتهاء، بل تحولت إلى جرحٍ مفتوح في جسد وطنٍ أنهكته الصراعات، واستنزفته الحسابات الضيقة، وتنازعته المشاريع المتعارضة حتى غدا السلام حلمًا مؤجلًا، بينما أصبح الموت والجوع والفقر وانهيار الخدمات تفاصيل يومية في حياة ملايين اليمنيين.

    لقد مضت سنوات طويلة منذ اندلاع الحرب، لكنها لم تنجح في تحقيق ما رُفعت من أجله الشعارات، ولم تُثمر إلا مزيدًا من الانقسام، واتساع رقعة الفقر، وانهيار الاقتصاد، وتعطل مؤسسات الدولة، وتراجع التعليم، وتهالك القطاع الصحي، وانقطاع الرواتب والخدمات الأساسية، حتى أصبح المواطن اليمني يدفع ثمن الحرب كل يوم، مع أنه الطرف الأقل قدرة على التأثير في مجرياتها.

    إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من انتصر؟ وإنما: ماذا بقي من الوطن؟ فما قيمة أي مكسب سياسي إذا كان الإنسان هو الخاسر الأكبر؟ وما جدوى استمرار الصراع إذا كانت البلاد تغرق عامًا بعد عام في دوامة من الأزمات التي تكاد تمحو مقومات الدولة والحياة الكريمة؟

    إن من يقرأ المشهد اليمني بإنصاف يدرك أن استمرار الحرب لم يعد سببه القوة العسكرية وحدها، بل شبكة معقدة من العوامل السياسية والاقتصادية والإقليمية. فالانقسام الداخلي، وتعدد مراكز القرار، وغياب المشروع الوطني الجامع، وتضارب المصالح، والتدخلات الخارجية، واستفادة بعض القوى من اقتصاد الحرب، كلها عوامل جعلت إنهاء الصراع أكثر تعقيدًا مما كان عليه في بداياته.

    وقد أثبتت التجربة أن الرهان على الحسم العسكري لم يحقق استقرارًا دائمًا، كما أن الاتفاقات التي تفتقر إلى الإرادة الصادقة والضمانات العملية سرعان ما تتعثر أمام أول اختبار. ولهذا فإن السلام لا يُصنع بالبيانات وحدها، ولا بالمفاوضات الشكلية، وإنما يُبنى على عدلٍ يطمئن إليه الجميع، وشراكة وطنية مسؤولة، ومؤسسات قوية، وقرار سيادي مستقل يقدّم مصلحة اليمن فوق كل اعتبار.

    ومن منظور الشريعة الإسلامية الغراء، فإن حفظ الدين والنفس والمال والعقل والعِرض من أعظم مقاصد الشريعة، ولذلك جاءت النصوص الكثيرة التي تحرم سفك الدماء بغير حق، وتأمر بالإصلاح بين المتخاصمين، وتحذر من الفتن التي إذا اشتعلت لم تُبقِ أحدًا بمنأى عن آثارها. قال الله تعالى: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا))، وقال سبحانه: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)). فالغاية ليست مجرد وقف إطلاق النار، بل إقامة العدل، ورد الحقوق، ورفع الظلم، وصيانة الدماء، وتحقيق الأمن الذي تستقيم به حياة الناس.

    ولا يمكن أن يُكتب لأي مشروع سلام النجاح ما لم يكن قائمًا على جملة من الأسس الواضحة: إرادة وطنية صادقة ترفض الارتهان للخارج، وحوار شامل يشارك فيه أصحاب المصلحة الحقيقية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة والشفافية، وحصر السلاح بيد الدولة، وضمان استقلال القضاء، وصرف الرواتب، وإنعاش الاقتصاد، وإعادة الخدمات الأساسية، وتعويض المتضررين، وإطلاق مشروع وطني للمصالحة يداوي جراح السنوات الماضية.

    واليمن ليس بلدًا فقيرًا في موارده ولا في تاريخه، بل يمتلك موقعًا استراتيجيًا فريدًا، وثروات طبيعية، ورصيدًا حضاريًا وإنسانيًا عريقًا، غير أن هذه المقومات ظلت رهينة سوء الإدارة، والصراعات السياسية، واستمرار الحرب. ولو توحدت الإرادة، وأُحسن استثمار هذه الإمكانات، لأمكن لليمن أن يتحول من ساحة نزاع إلى مركز اقتصادي وتجاري مزدهر يخدم أبناءه والمنطقة بأسرها.

    لقد سئم اليمنيون لغة البيانات التي لا تُترجم إلى أفعال، والوعود التي تتكرر بينما تتراجع قيمة العملة، وتتآكل القدرة الشرائية، ويزداد الفقر، وتتسع معاناة الناس. إنهم لا يطلبون المستحيل، وإنما يطلبون حقهم في وطن آمن، ودولة عادلة، وفرصة عمل، وتعليم كريم، ورعاية صحية، وكهرباء ومياه ورواتب تحفظ كرامتهم.

    ورغم قتامة المشهد، فإن اليأس ليس خيارًا لأمة تؤمن بالله، فالله سبحانه جعل بعد العسر يسرًا، ووعد بأن الفرج يعقب الكرب، وأن تداول الأيام سنة من سننه في خلقه. غير أن هذا الوعد الإلهي لا يعفي الناس من مسؤولياتهم، بل يدعوهم إلى الصدق، والإصلاح، والعدل، ونبذ أسباب الفرقة، والعمل الجاد لإطفاء نار الفتنة.

    ويبقى السؤال المؤلم حاضرًا في وجدان كل يمني: إلى متى تستمر هذه الحرب؟ والجواب ليس موعدًا في تقويم السياسة، بل قرارًا أخلاقيًا ووطنيًا وشجاعًا تتخذه الأطراف كافة عندما تدرك أن الأوطان لا تُبنى فوق الأنقاض، وأن الدم إذا أُريق ظلمًا لا يصنع نصرًا، وأن التاريخ لا يخلّد من أشعل الحروب، بل يخلّد من أطفأها، وأعاد لشعبه الأمن، ولبلده وحدته، وللإنسان كرامته.

المزيد من مقالات (د. فضل العزب)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال