> عمّان "الأيام" خاص:
- الجنوب بحاجة لدولة تحقق العدالة والشراكة وليس خطابات انشائية
- الوحدة انحرفت عن أهدافها منذ بدايتها ولم تخدم الغالبية
- المتغيرات المحلية والدولية تفرض المصالحة على اليمنيين
- لم يعد المواطن يهمه من يحكم بل يريد حلولًا سريعة وفورية
قدم السياسي اليمني المعروف محمد علي أبولحوم، رؤية هامة إلى ورشة عمل أقامها مؤخرًا المعهد الأوروبي للسلام في البحر الميت في المملكة الأردنية الهامشية، وتناولت آفاق "آفاق المصالحة اليمنية - اليمنية".
وتناولت الرؤية المستجدات الراهنة على الساحة اليمنية بجنوبها وشمالها، مؤكدة أن الواقع القائم عقب الحرب قد انتج وقائع سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية معقدة لا يمكن تجاوزها، موضحًا بأن البلاد بحاجة إلى فترة انتقالية تحقق خلالها المصالحة الوطنية والاتفاق على شكل الدولة التي تلبي تطلعات كافة الأطراف.
ولأهمية ما جاء في رؤية السياسي محمد علي أبولحوم تنشر "الأيام" فيما يلي نصها بالكامل:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الأخوة والأخوات الأعزاء جميعًا، نجتمع اليوم في الأردن الذي نشكره على ما قدم ويقدم من عون لليمن في كل المراحل، وبعد مرور أكثر من إحدى عشر عامًا على الحرب في البلاد التي انتجت واقع سياسي وعسكري واقتصادي واجتماعي معقد لا يمكن تجاوزه دون تعاون الجميع برؤية ورغبة تصالحيه جديدة تخرج البلاد مما نحن فيه والظروف التي مرت وتمر بها بلادنا منذ 2015 والجميع كان ومازال يبذل جهود بطريقته لإخراج البلاد إلى بر الأمان.
إن اجتماعنا يأتي في سياق هذه الجهود المتواصلة والظروف والمتغيرات التي شهدتها وتشهدها المنطقة باسرها وبلادنا جزء من هذه المتغيرات، وقناعتنا أصبحت أكثر من أي وقت مضى مواتية للبحث بجدية في كيفية الوصول لتفاهمات تنهي حالة الانقسام من خلال المصالحة الوطنية الشاملة التي نحتاجها جميعًا دون استثناء.
وهنا علينا أن نقدر جهود المعهد الأوروبي للسلام الذي تربطنا بهم علاقات طيبة نتجت عن اهتمامهم بقضايا بلادنا خلال السنوات الماضية والعمل والمساهمة معنا في دعم المصالحة الوطنية الشاملة في البلاد، وهم محل احترام وتقدير ونأمل منهم من خلال العلاقة الجيدة مع الشخصيات المؤثرة اليمنية ومختلف القوى مواصلة دورهم لمساعدتنا في المراحل القادمة.
اليوم علينا النظر بواقعية لهذه المتغيرات التي شهدتها اليمن منذ عام ۲۰۱5 حتى اليوم فهي متغيرات بالطبع تختلف تمامًا عما كنا عليه في مؤتمر الحوار الوطني عام ۲۰۱۳، إن هذه المتغيرات قد انتجت قوى سياسية وعسكرية لا يمكن تجاوزها سواء كنا نتفق أو نختلف معها فهي على أرض الواقع ولا يمكن الاستهانة بها عند الحديث عن المصالحة اليمنية - اليمنية الذي يجب أن يكونوا جزءًا فاعلًا ومتجاوبًا فيها بالذات أن المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية تفرض علينا جميعًا العمل والتعايش والتنازل لبعضنا البعض وقد أثبتت السنوات الماضية أن المصالحة الوطنية هي خيار اليمنيين الأوحد لإنهاء الصراع وبناء الدولة.
الشعب لا يحتاج إلى خطابات إنشائية للجنوب أو الشمال لقد عانى ما فيه الكفاية، ما يريده هو أملًا في مستقبل واعد في قيام دولة عادلة تحقق التوازن والشراكة للجميع و تعيد له كرامته وأمنه واستقراره، فغالبية الشعب ليس ضد الوحدة بحد ذاتها، بل ضد إدارتها وممارسة بعض شخوصها ومعظمنا لم ينعم بالوحدة أو بمزاياها في الفترة الماضية بسبب الانحراف عن أهدافها ومضامينها منذ بدايتها فأن التحدي الحقيقي أمامنا في المرحلة الانتقالية القادمة هو العمل على استعادة الثقة بالدولة وإفساح المجال للتشاور والتوافق على شكل الدولة التي نطمح لها وما هو النظام الأنسب لبناء يمننا مبنيا على الشراكة الكاملة التي تتجاوز الأخطاء السابقة والاستفادة من تجارب الماضي وعدم إعادة إنتاجها بما يحقق مصالح وتطلعات الجميع دون استثناء.
استغرب عندما اسمع الخطاب السياسي المتكرر عن القضية الجنوبية وما وصلت إليه الأوضاع في الجنوب منذ ۱۹۹4 حتى يومنا هذا، دون مراجعة أو تقييم للأخطاء التي حدثت تجاه شركاء الوحدة في الجنوب واتخاذ خطوات عملية لمعالجتها. ما يدفعني أن أتحدث عن هذا الواقع الذي عرفته وعايشته مع الجنوب يتلخص في أنهم سئموا ويريدون شيئًا جديدًا من أشخاص يثقون بهم ويفهموا القضية الجنوبية وجوهرها، وأسباب تحفظاتهم على الوحدة التي أضاعتها الحسابات السياسية الضيقة والمصالح الحزبية والشخصية منذ قيامها.
لقد كان موقفنا واضحًا منذ اللحظات الأولى تجاه هذا الانحراف عن الشراكة الوطنية في دولة الوحدة حتى غادرنا الوطن أثناء حرب ۱۹۹4 ولم نعد إلا بعد عشرة أعوام 2004 وكثيرين مثلي وأفضل مني يدركون هذه الحقيقة، وللأسف أضعنا فرص تاريخية لبناء الدولة التي حلمنا بها جميعًا، وهذا لا يعني بالطبع أن أبناء الشمال لم يعانوا من هذه الأخطاء التي أضرت بنا جميعًا.
التاريخ اليوم يعيد نفسه من حيث علاقة اليمن التاريخية بالمملكة العربية السعودية فقد كان للمملكة دورًا فاعلًا في رعاية المصالحة اليمنية - اليمنية في عام ۱۹۷۰ ومساندة الدولة اليمنية في الحفاظ على سيادتها في ذلك الوقت.
إن دور المملكة اليوم مطلوب أكثر من أي وقت مضى لما لها من علاقات تاريخية واجتماعية وقبلية بالنسيج اليمني تمتد لعقود مضت وهي قادرة على القيام بهذا الدور مع الأطراف اليمنية ووضع حد للانقسامات وحشد الطاقات لبناء الدولة اليمنية التي يتطلع لها المواطن اليمني التي هي صمام أمان لليمن والمنطقة بأسرها.
كما أن دور المملكة على المستوى الإقليمي والدولي ركيزة أساسية لبناء التفاهمات على طريق تحقيق السلام والاستقرار الدائم في اليمن، وفي الوقت نفسه أننا على ثقة بان هناك موقفًا إقليميًا داعمًا لجهود المملكة كما تعودنا من كافة دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية وفي مقدمتهم جمهورية مصر العربية لمساندتهم لكل الجهود الرامية إلى إرساء السلام والأمن والاستقرار في بلادنا.
وفي هذا الصدد، نثمن رعاية المملكة للمؤتمر الجنوبي - الجنوبي الشامل، الذي نتطلع أن يحقق وحدة الرؤية بين القوى الجنوبية تجاه القضية الوطنية الرئيسية كأولوية في المرحلة الانتقالية. ونؤكد دعمنا للتفاهمات والترتيبات التي تجري لتسهيل طريق التسوية السياسية والمصالحة الشاملة.
ما يميز هذه المرحلة، هو مستوى الانخراط الإقليمي وخفض التصعيد الذي تشهده المنطقة لا سيما التقارب السعودي - الإيراني، الذي من شأنه أن يعزز الأمن والاستقرار، هذا التحول بحد ذاته دليلًا على أن المصالحة ليست مستحيلة، بل خيارًا ضروري نحن في أمس الحاجة إليها.
اليمن اليوم لم يعد في مربع طلب التعاطف من محيطه، بل في مربع ينشد فيه الشراكة مع جيرانه وأصدقائه جميعًا ويحتاج لتعاونهم للمضي قدمًا في مسار جاد للمصالحة اليمنية - اليمنية والسلام الدائم. مسار واضح يعيد للدولة اعتبارها ويمنح اليمنيين الأمل في دولة النظام والقانون التي تحقق تطلعاتهم في الأمن والاستقرار والتنمية التي طال انتظارها.
اليمن ليس بلدًا فقيرًا بل غني بموارده البشرية التي هي أساس قوته ومصدرها في الداخل والمهجر، بثرواته الطبيعية من نفط وغاز وذهب وثروة سمكية وزراعية، فضلا عن موقعه الاستراتيجي وموانئه وجزره الهامة التي هي مقومات أساسية لبناء شراكات اقتصادية واستراتيجية متينة مع محيطه الخليجي والعربي والدولي.
لقد اعتدنا في اليمن على مدى عقود، تأجيل الاستحقاقات الوطنية وترحيل التحديات واللجوء إلى الهروب من المشكلات إلى الأمام بدلاً من مواجهتها والبحث عن حلول جادة ومستدامة لها، وكانت النتيجة سنوات طويلة من الأزمات والصراعات والحوارات التي استنزفت الجهود والطاقات، وغلبت عليها في كثير من الأحيان روح التنافس والتحدي على حساب الشراكة الوطنية والتوافق.
لقد دفعت اليمن ثمناً باهظاً للصراعات السياسية والمصالح الضيقة التي أضعفت الدولة ومؤسساتها، وألحقت أضرارًا جسيمة بالمجتمع، وأفقدت البلاد الكثير من مكانتها التي تستحقها بتاريخها وإرثها الحضاري ووضعتنا في قائمة الدول المتعثرة.
الأخوة والأخوات جميعا نحن أمام فرصة لوضع اليمن على طريق الاستقرار والتعافي، وأصبح من الضروري أن نقول كفى لإهدار الفرص، وكفى لإعادة إنتاج الأخطاء ذاتها، اليوم الهوة بين المكونات السياسية والنخب وبين المواطن واسعة وعميقة تمر بأسوأ مراحلها على كامل الساحة اليمنية، لم يعد المواطن يهمه من يحكم بل يريد حلولاً سريعة وفورًا.
لذا المسؤولية الوطنية تقتضي منا أن نضع جانبًا المصالح السياسية والحزبية الضيقة وأن نستفيد من دروس المرحلة الماضية التي أوصلتنا جميعاً إلى واقع يفرض علينا مراجعة صادقة وشجاعه مع أنفسنا، كمكونات وأحزاب وقوى سياسية، والانطلاق نحو رؤية جديدة تستجيب لمتطلبات المستقبل وفي أولوياتها إفساح المجال أمام تحالفات وطنية واسعة تقوم على الشراكة والتكامل لا الإقصاء.
كما تتطلب المرحلة القادمة فتح المجال أمام جيل جديد من القيادات والكفاءات والقوى المدنية والقبلية والمجتمعية للمشاركة الفاعلة في إعادة بناء الدولة واستعادة مؤسساتها وترميم النسيج الوطني وتعزيز قيم المواطنة والشراكة في إطار مشروع وطني نتوافق عليه لاستعادة بناء الثقة خلال المرحلة الانتقالية التي ستحدد مستقبل اليمن.
وفي الختام أؤكد لكم أننا نجتمع هنا بدافع وطني خالص، بعيدًا عن أي مصالح سياسية أو حزبية للبحث في آفاق المصالحة اليمنية - اليمنية وإرسال رسائل الأمل للمواطن البسيط داخل البلاد وخارجه الذي يتطلع للعيش الكريم في وطنه بعيدًا عن التجاذبات الحسابية الضيقة.
إن المسؤولية تقع على عاتقنا جميعًا بدون استثناء، وكلي أمل في أن يسهم هذا الجمع بخطوات ملموسة تؤسس لمرحلة جديدة في طريق المصالحة اليمنية اليمنية تقوم على احترام الجميع للجميع في يمن أمن ومستقر يتسع للجميع دون استثناء وما أحوجنا لذلك.
وفقنا الله
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



















