أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:40 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • الدولة التي لا ترى مواطنيها: أزمة البيانات والإدارة في اليمن

    د. جلال حاتم




    يُقال في علم الإدارة إنك لا تستطيع إدارة ما لا تستطيع قياسه. ويصدق هذا القول على الدول أكثر من أي شيء آخر. فالدولة التي لا تمتلك بيانات دقيقة عن سكانها، ومواردها، واحتياجات مواطنيها، لا تستطيع أن تخطط بكفاءة، ولا أن توزع الموارد بعدالة، ولا أن تقيس نتائج سياساتها العامة. ولهذا أصبحت البيانات في القرن الحادي والعشرين أحد أهم أصول الدولة الحديثة، لا تقل أهمية عن الموارد المالية أو البنية التحتية.

    وفي كثير من دول العالم، لم تعد قواعد البيانات مجرد أدوات إحصائية، بل أصبحت البنية التحتية التي تقوم عليها الإدارة العامة بأكملها. فمن خلالها تُبنى الموازنات، وتُحدد الأولويات، وتُدار الخدمات، وتُرسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتُقاس مؤشرات الأداء، وتُراجع نتائج التنفيذ.

    أما عندما تغيب البيانات، أو تصبح قديمة أو مجزأة أو غير موثوقة، فإن الإدارة تتحول إلى إدارة بالتقديرات والانطباعات و"الولاءات"، لا بالحقائق والمؤشرات. وعندئذ تصبح القرارات العامة أكثر عرضة للخطأ، ويزداد هدر الموارد، وتتراجع قدرة الدولة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

    وفي الحالة اليمنية، تمثل أزمة البيانات إحدى القضايا التي لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه، رغم تأثيرها المباشر في مختلف جوانب التنمية والإدارة. فسنوات الصراع وما رافقها من انقسام مؤسسي وتعطل عدد من الأنظمة الإدارية والإحصائية أضعفت قدرة الدولة على إنتاج قواعد بيانات حديثة وشاملة، الأمر الذي انعكس على جودة التخطيط وكفاءة إدارة الموارد والخدمات.

    فكيف يمكن وضع سياسات فعالة للتعليم دون معرفة دقيقة بأعداد الطلاب وتوزيعهم الجغرافي؟ وكيف يمكن التخطيط للخدمات الصحية دون بيانات محدثة عن السكان واحتياجاتهم؟ وكيف يمكن تصميم برامج لمكافحة الفقر أو البطالة أو دعم الفئات الأكثر احتياجًا إذا كانت المعلومات المتاحة ناقصة أو متضاربة؟

    إن غياب البيانات الدقيقة لا يؤدي فقط إلى ضعف التخطيط، بل يفتح الباب أيضًا أمام سوء توزيع الموارد، وازدواجية المشروعات، وضعف المتابعة والتقييم، ويجعل قياس أثر السياسات العامة أمراً بالغ الصعوبة. وهكذا تتحول الإدارة من إدارة قائمة على الأدلة إلى إدارة تعتمد على ردود الأفعال والاجتهادات الفردية.

    غير أن البيانات، مهما بلغت دقتها، لا تصنع إدارة ناجحة إذا غابت الكفاءات القادرة على قراءتها وتحليلها وتحويلها إلى سياسات وقرارات فعالة. فالدولة الحديثة لا تقوم فقط على نظم المعلومات، وإنما تقوم أيضًا على اختيار الأشخاص الأكفأ لإدارة تلك النظم وتوظيف مخرجاتها في خدمة الصالح العام. وعندما تصبح التعيينات محكومة بالولاءات الشخصية أو الحزبية أو المناطقية، بدلًا من معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة، تفقد الإدارة أحد أهم مقومات نجاحها. فالوظيفة العامة ليست مكافأة سياسية أو اجتماعية، بل مسؤولية وطنية تتطلب الشخص المناسب في المكان المناسب. وقد لا يكون ضرر القرار الخاطئ بأقل من ضرر تعيين الشخص غير المناسب في الوظيفة غير المناسبة؛ لأن الأخير يفضي إلى قرارات ضعيفة، ويهدر الموارد، ويعطل فرص الإصلاح، ويقوض ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة. ومن هنا فإن بناء إدارة عامة كفؤة يبدأ من ترسيخ الجدارة بوصفها المعيار الحاكم للتوظيف والترقية وتولي المسؤوليات العامة.

    ولا تقتصر المشكلة على البيانات السكانية، بل تمتد إلى بيانات الاقتصاد، وسوق العمل، والزراعة، والثروة السمكية، والمياه، والطاقة، والتعليم، والصحة، والإدارة المحلية. فكل قطاع يحتاج إلى منظومة معلومات متكاملة تُحدَّث بصورة مستمرة، حتى تصبح القرارات مبنية على الواقع لا على التقديرات.

    وفي العالم اليوم، أصبحت البيانات موردًا استراتيجيًا للدولة الحديثة. فالتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والحكومة الإلكترونية، والخدمات الذكية، جميعها تعتمد على وجود قواعد بيانات دقيقة ومترابطة. ولذلك فإن الدول التي تستثمر في بناء منظومات معلومات وطنية لا تحقق فقط كفاءة إدارية أعلى، بل ترفع أيضاً قدرتها على جذب الاستثمار، وتحسين الخدمات، وتعزيز الشفافية والمساءلة.

    ومن هنا فإن إعادة بناء الدولة في اليمن لا ينبغي أن تقتصر على إعادة إعمار الطرق أو المباني أو شبكات الكهرباء، بل يجب أن تشمل أيضاً إعادة بناء البنية المعلوماتية للدولة. فالدولة الحديثة لا تُبنى بالإسمنت وحده، وإنما تُبنى أيضًا بالبيانات والمعرفة والمؤسسات القادرة على تحويل المعلومات إلى سياسات فعالة.

    ويرتبط ذلك ارتباطًا وثيقًا بما يمكن تسميته بالأمن الحضاري اليمني. فالمجتمع الذي لا يمتلك معرفة دقيقة بنفسه، ولا يستطيع قياس تحولاته السكانية والاقتصادية والتعليمية، يفقد جزءًا مهمًا من قدرته على التخطيط للمستقبل. أما امتلاك قواعد بيانات وطنية موثوقة، فيعني امتلاك القدرة على استشراف التحديات، وإدارة الموارد بكفاءة، وبناء سياسات أكثر عدلًا وفاعلية.

    ولذلك فإن بناء منظومة وطنية متكاملة للبيانات يجب أن يصبح مشروعًا استراتيجيًا تشارك فيه المؤسسات الإحصائية، والوزارات، والجامعات، والسلطات المحلية، والقطاع الخاص، بحيث تتكامل قواعد المعلومات وتخضع لمعايير موحدة للجودة والتحديث والحماية.

    إن الدولة التي لا ترى مواطنيها من خلال بيانات دقيقة لن تستطيع أن تخدمهم بالكفاءة التي يستحقونها. فالرؤية تبدأ بالمعلومة، والقرار يبدأ بالبيانات، والتنمية تبدأ بمعرفة الواقع كما هو، لا كما نتصوره.

    ولعلّ أحد أهم مؤشرات نجاح الدولة في العقود القادمة لن يكون حجم ما تنفقه فقط، بل جودة ما تعرفه عن مجتمعها. فكل قرار صحيح يبدأ بمعلومة صحيحة، وكل تنمية مستدامة تبدأ بقاعدة بيانات موثوقة، وكل دولة حديثة تبدأ بمعرفة دقيقة بمواطنيها واحتياجاتهم وإمكاناتهم.

المزيد من مقالات (د. جلال حاتم)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال