الثلاثاء, 14 يوليو 2026
118
في عالم السياسة لا تُصنع التسويات في الفراغ، ولا تُبنى الاتفاقات على الأمنيات، وإنما تُصاغ على طاولات التفاوض، حيث يجلس أصحاب المصالح والرؤى والقوة والتأثير. ولذلك فإن أحد أهم دروس التاريخ السياسي هو أن الطرف الذي يغيب عن صناعة الحل، قد يجد نفسه مضطرًا للتعامل مع نتائج لم يشارك في صياغتها.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق التفكير: إذا لم يكن الجنوب حاضرًا بصورة مؤثرة على طاولة أي تسوية سياسية قادمة، فهل سيكون شريكًا في صناعة المستقبل؟ أم مجرد بند ضمن قائمة التنازلات التي قد تُقدَّم لإرضاء أطراف أخرى؟
إن هذا السؤال لا ينطلق من افتراضات مسبقة، بل من طبيعة المفاوضات السياسية نفسها. فكل عملية تفاوض تقوم على تبادل المصالح، وإعادة توزيع النفوذ، والبحث عن نقاط الالتقاء الممكنة. وعندما لا يكون أحد الأطراف ممثلًا بصورة كافية، أو عندما يكون حضوره محدود التأثير، فإن قدرته على الدفاع عن مصالحه تصبح أضعف من قدرة الأطراف الحاضرة.
ويُقال في أدبيات السياسة والتفاوض: إذا لم يكن لك مقعد على طاولة الطعام، فأنت على الأرجح جزء من قائمة الطعام. والمقصود بهذا التشبيه ليس المعنى الحرفي، وإنما التنبيه إلى أن الأطراف التي تغيب عن صناعة القرارات المصيرية قد تجد نفسها أمام ترتيبات صاغها الآخرون، أو تنازلات تمس مصالحها من دون أن تكون قد شاركت في مناقشتها أو التأثير في مخرجاتها. ولذلك، فإن المشاركة الفاعلة في أي عملية تفاوضية ليست مسألة بروتوكولية، بل هي ضرورة لحماية المصالح وضمان أن يكون المستقبل نتاجًا للحوار لا للإملاء.
ولذلك فإن القضية الجنوبية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها ملفًا ثانويًا يمكن تأجيله إلى ما بعد التسويات الكبرى، لأن أي ترتيبات سياسية لا تأخذها في الاعتبار بصورة جادة قد تترك أسباب الخلاف قائمة، وتؤجل الأزمة بدلًا من حلها.
ومن منظور بناء السلام، لا يتحقق الاستقرار المستدام بإقصاء القضايا الجوهرية، وإنما بمعالجتها ضمن أطر سياسية واضحة وقابلة للاستمرار. فالتجارب الدولية تشير إلى أن الاتفاقات التي تتجاهل القضايا المحورية أو تستبعد الفاعلين الرئيسيين قد تنجح في وقف الصراع مؤقتًا، لكنها كثيرًا ما تواجه صعوبات في بناء سلام طويل الأمد.
وفي هذا السياق، يبرز دور المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره أحد الفاعلين الرئيسين في الجنوب، وصاحب حضور سياسي وعسكري وشعبي لا يمكن تجاهله في أي قراءة واقعية للمشهد. وسواء اتفق المراقبون أو اختلفوا مع مواقفه، فإن التعامل مع مستقبل الجنوب يقتضي الإقرار بأن أي تسوية مستدامة تحتاج إلى إشراك القوى المؤثرة على الأرض، بما يتيح بناء تفاهمات أكثر قابلية للتنفيذ والاستمرار.
ولا يتعلق الأمر فقط بتمثيل الجنوب في المفاوضات، بل أيضًا بطبيعة التمثيل ومستوى التأثير في صناعة القرار. فهناك فرق كبير بين حضور شكلي يقتصر على المشاركة في الاجتماعات، وبين مشاركة حقيقية تسهم في صياغة الحلول ورسم مستقبل الدولة والعلاقات السياسية القادمة.
كما أن القضية الجنوبية لا يمكن فصلها عن الاعتبارات الاستراتيجية الأوسع. فالجنوب يحتل موقعًا جغرافيًّا بالغ الأهمية، يشرف على ممرات بحرية حيوية، ويرتبط بأمن الملاحة الدولية في خليج عدن وبحر العرب والبحر الأحمر. ومن ثم فإن استقراره لا يمثل مصلحة محلية فحسب، بل يرتبط أيضًا باستقرار الإقليم وحركة التجارة الدولية.
ومن هنا، فإن أي رؤية للمستقبل ينبغي أن تنطلق من مبدأ بسيط: لا يمكن بناء سلام دائم من خلال حلول جزئية، ولا يمكن تحقيق الاستقرار عبر تجاهل القضايا التي تشكل جوهر النزاع. فالحلول المستدامة لا تُقاس بسرعة التوصل إليها، وإنما بقدرتها على الصمود أمام اختبار الزمن.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا في كل نقاش حول مستقبل اليمن هو: هل نريد اتفاقًا سياسيًّا مؤقتًا يخفف حدة الأزمة، أم نريد تسوية تاريخية تعالج جذور المشكلات وتؤسس لاستقرار طويل الأمد؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل المستقبل أكثر مما ستحدده نصوص الاتفاقات نفسها. فالتاريخ يعلمنا أن الأطراف التي تشارك في صياغة المستقبل تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها، بينما تجد الأطراف الغائبة نفسها في كثير من الأحيان أمام واقع لم تسهم في صنعه.
ولهذا فإن ضمان حضور الجنوب بصورة مؤثرة في أي عملية سياسية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مطلبًا لفريق سياسي بعينه، بل باعتباره أحد الشروط التي قد تسهم في بناء تسوية أكثر توازنًا، وأكثر قابلية للاستمرار، وأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار الذي تنشده المنطقة بأسرها.