الثلاثاء, 14 يوليو 2026
106
في بلدٍ يعيش معظم سكانه على حافة الفقر، لا يحتاج الغلاء إلى مقدمات طويلة. يكفي أن ترتفع كلفة سلعة واحدة حتى تمتد العدوى إلى بقية الأسواق، وتبدأ رحلة جديدة من استنزاف ما تبقى من القدرة الشرائية للمواطن.
هذا هو المشهد الذي يتكرر اليوم في عدن والمحافظات المحررة، بعد قرار رفع قيمة الدولار الجمركي، وهو القرار الذي تقول الحكومة إنه يقتصر على (السلع غير الأساسية)، ولن يمس المواد الغذائية والدوائية(المعفاة من الرسوم). لكن الأسواق لها منطق مختلف؛ فبمجرد صدور القرار، بدأت الأسعار تتحرك صعودًا، وأصبح"الدولار الجمركي" شماعة يعلق عليها بعض التجار كل زيادة، سواء كانت مبررة أم لا. وتشير بيانات اقتصادية حديثة إلى أن سعر الدولار في عدن يدور حول 1565 ريالًا، وهو مستوى يعكس استمرار الضغوط على العملة المحلية وتكاليف الاستيراد.
وليس هذا أول اختبار يواجهه اليمنيون. فما زالت الذاكرة تحتفظ بسنوات الانهيار التي ارتفعت فيها أسعار الصرف بصورة حادة، وقفزت معها أسعار الغذاء والدواء والنقل، حتى أصبحت أبسط الاحتياجات اليومية عبئًا ثقيلًا على ملايين الأسر. واليوم، يخشى كثيرون أن تعود تلك التجربة بصورة جديدة، وإن اختلفت الأسباب والعناوين.
الأخطر أن هذه التطورات تأتي في وقت تؤكد فيه الأمم المتحدة أن اليمن يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم. فوفقًا لتقاريرها، يعيش أكثر من 80 % من السكان تحت خط الفقر، بينما يعاني 82.7 % من اليمنيين من الفقر متعدد الأبعاد، وهو فقر لا يقتصر على نقص الدخل، بل يشمل الحرمان من التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية والسكن اللائق. كما يحتاج نحو 19.5 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية للبقاء على قيد الحياة.
هذه الأرقام تعني أن أي زيادة جديدة في الأسعار لا تضيف أعباء مالية فحسب، بل تدفع مزيدًا من الأسر إلى دائرة الجوع والحرمان.
اقتصاديًا، قد لا يكون أثر رفع الدولار الجمركي على بعض السلع كبيرًا إذا احتُسب وفق المعادلات الفنية، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الرقابة على الأسواق. فالتاجر الذي يرفع سعر سلعة لا يشملها القرار، أو يضاعف الزيادة بما يفوق التكلفة الفعلية، يخلق موجة تضخم تتجاوز بكثير الأثر الاقتصادي المباشر للقرار نفسه.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: من يحمي المواطن؟
فالإصلاحات الاقتصادية قد تكون ضرورة في بعض الظروف، لكن نجاحها يقاس بقدرتها على تحقيق التوازن بين احتياجات الدولة وحماية الناس، لا بتحقيق الإيرادات وحدها. ومن دون رقابة فعالة على الأسواق، وإجراءات تحد من الاحتكار والمضاربة، ستتحول أي سياسة اقتصادية إلى عبء إضافي على المواطن البسيط.
عاد الغلاء... لكنه عاد هذه المرة إلى مجتمع قد أنهكته الحرب، وأرهقه الفقر، واستنزفته سنوات طويلة من تراجع العملة وارتفاع الأسعار. وإذا كانت الأرقام الأممية ترسم صورة قاتمة للواقع، فإن الأسواق ترسم صورة أكثر قسوة، عنوانها أن القدرة الشرائية تتآكل، وأن الفقير يزداد فقرًا، بينما تبقى الأسئلة معلقة: هل تُدار الأسواق بمنطق حماية المواطن، أم بمنطق تركه وحيدًا (كما هي العادة) في مواجهة موجة غلاء لا تعرف سقفًا؟