الأربعاء, 15 يوليو 2026
118
تبدو المفارقة اليمنية في تجلياتها البحرية أكثر وضوحًا وعمقًا؛ حيث يتحول الشريط الساحلي الممتد خصوصًا في حدود المحافظات المحررة وفي اليمن عمومًا، بكل ما يحمله من ثروات كامنة، من رافعة استراتيجية للاقتصاد الوطني والأمن الغذائي إلى مجرد قطاع خدمي هامشي يعاني التشتت والإنهاك. إن الأزمة الراهنة في إدارة المصائد السمكية لا تكمن، كما يروج القراء السطحيون للأزمات، في شح القوانين أو غياب التشريعات المنظمة، بل تنبثق أساسًا من معضلة بنيوية أعمق؛ وهي الغياب المادي والمؤسسي للدولة عن مجالها البحري.
هذا الفراغ السيادي حوّل المياه الإقليمية إلى ساحة مفتوحة للاستغلال العشوائي والنهب المنظم، في وقت بقيت فيه فلسفة الإدارة التقليدية حبيسة المكاتب البيروقراطية الرتيبة، عاجزة عن ملامسة الواقع الميداني للصيادين، أو مواكبة التحديات المتسارعة في عرض البحر، ومكتفية بدور المراقب السلبي الذي يمنح التراخيص دون القدرة على حماية المورد نفسه. ولأن مقاربة هذا الانهيار البنيوي لا تحتمل التجريد النظري، فقد تأسست هذه القراءة في أبعادها السياساتية ورصدها الميداني بالاستناد إلى رؤى وكتابات قيّمة وثقها خبراء ومهتمون بالشأن البحري ومشاكله الملحّة؛ إيمانًا بأن تكامل القلم الصحفي مع المعطيات العلمية والصرخات الميدانية هو المدخل الحقيقي لتفكيك الأزمة الحاصلة على الأرض.
ولعل التجلي الأبرز لهذا الغياب لا يكمن في الأرقام الجافة والتقارير الرسمية الباردة، بل في تفاصيل المشهد اليومي الصادم الذي ينضح بالمرارة على أرصفة الإنزال؛ حيث تحولت جرافات "الحاوي" من نشاط صيد تقليدي منضبط تحكمه المواسم والضوابط الزمنية الصارمة التي ترفع شباكها مع انتصاف النهار، إلى آلات جرف مستمر لا تهدأ ليلًا ولا نهارًا تحت سطوة قانون "الهوامير" الذي داس كل الضوابط. إن استباحة البحر على مدار الساعة لم تعد تقتصر على الصيد الجائر، بل تعدته إلى تدمير ممنهج ومكتمل الأركان للمراعي والبيئة البحرية؛ حيث يُجرف المخزون جرفاً أعمى، لا ليوجه نحو سد فجوة الجوع والأمن الغذائي لليمنيين المنهكين، بل ليُساق كوقود رخيص لمصانع الطحن التي تبتلع "الزريعة" والأسماك الصغيرة في مجزرة بيئية تقضي على المستقبل قبل الحاضر.
وفي قلب هذا العبث، يقف العامل البسيط والصياد التقليدي وحيدًا، منهارًا من فرط الإعياء تحت جبال الأسماك المتكدسة حتى الفجر، ومحاصرًا بين مطرقة جشع المتنفذين وسندان "الشللية" والمصالح الضيقة التي نخرت جسد بعض الجمعيات السمكية المفترض بها أن تكون درعه الواقي وصوته المسموع.
يقتضي الخروج من هذا المأزق التاريخي إحداث قطيعة معرفية وعملية مع الأنماط الإدارية السائدة، والانتقال نحو رؤية وطنية شاملة تعيد صياغة علاقة الدولة بالبحر باعتباره عمقًا سياديًّا حيويًّا لا يقبل المساومة. إن العودة الحقيقية للدولة إلى البحر لا يمكن أن تتحقق عبر الحلول الترقيعية قصيرة الأجل، بل تتطلب استراتيجية متكاملة تتمحور حول الحضور الميداني الدائم في مواقع الإنزال وعلى متن قوارب المراقبة لفرض النظام والحد من فوضى "الحاوي"، بالتوازي مع التأسيس لرقابة ذكية تستعين بالتقنيات الحديثة؛ كالهوية الرقمية للقوارب، والمنصات الإلكترونية الموحدة، وأنظمة الإنذار المبكر، وصولًا إلى استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بحالة المخزون السمكي ومناطق الضغط البيئي.
ومن هنا، يصبح توحيد الجهود في مركز وطني لإدارة البحر، يجمع شتات البيانات والرقابة والأرصاد وخفر السواحل، خطوة أساسية لإنهاء التنازع الصامت بين الأجهزة المختلفة، وبناء غرفة عمليات موحدة تضمن تدفق المعلومات والسيطرة الفعلية على الموارد، مع تقسيم المياه إلى وحدات إدارة مستقلة تناسب الخصوصية البيئية لكل منطقة من البحر الأحمر إلى سقطرى.
وفي هذا السياق، لا ينفصل البُعد التكنولوجي والسيادي عن الحاضنة الاجتماعية التي يمثلها الصيادون والجمعيات السمكية؛ إذ إن إصلاح هذا القطاع يستوجب تحرير هذه الكيانات من هيمنة النفوذ الضيق لتعود إلى دورها الحقيقي، وتحويل الصياد من مجرد ضحية للفوضى السائدة إلى شريك حقيقي ومراقب مجتمعي فاعل، يتمتع بالحوافز والتدريب لحماية بيئته ومصدر رزقه. إن تحويل مراكز الإنزال التقليدية إلى مراكز خدمات بحرية متكاملة تقدم الدعم اللوجستي، والوقود، والصيانة، والإرشاد، يمثل المدماك الأساسي لربط المجتمع المحلي بالدولة، وتوجيه الدعم الحكومي ودعم المانحين بناءً على مؤشرات أداء حقيقية تلتزم بالاستدامة وحماية الثروات، ووقف استباحة "الحاوي" ومصانع الطحن بقوة القانون. ولعل هذا التوجه يتكامل موضوعيًّا مع تأسيس شرطة متخصصة للمصائد السمكية تعمل بالتنسيق مع السلطات القضائية، بالتزامن مع إطلاق برامج وطنية جادة لاستعادة الموائل البحرية وحماية الشعاب المرجانية وأشجار المانغروف التي تعرضت لتدمير ممنهج طوال سنوات الغياب الإداري.
إن صياغة وثيقة سياسات وطنية طويلة الأجل، تمتد لربع قرن، تفرض مراجعة شاملة لفلسفة الاستغلال الاقتصادي، بحيث يتم الانتقال من منطق الجباية وإصدار التراخيص السريعة إلى منطق تعظيم القيمة المضافة وحماية حقوق الصيد التقليدي واستدامة الموارد. يتطلب ذلك تطبيق مبدأ "من يستفيد يساهم"، وإلزام الشركات التجارية والصناعية الكبرى بالمساهمة في تمويل البحث العلمي والرقابة، وتوجيه عوائد السفن الأجنبية نحو تمويل المسوحات البحرية وتأسيس أكاديمية يمنية لعلوم البحار لرفد القطاع بكوادر وطنية مؤهلة. في نهاية المطاف، إن مشروع "عودة الدولة إلى البحر" ليس ترفًا فكريًّا أو مجرد أفكار عابرة، بل هو معركة استرداد للسيادة والاقتصاد وحماية أرزاق الناس، تبدأ بتقرير سنوي شفاف يوضح حالة المصائد بكل تجرد ليفضح عبث العابثين، وتنتهي بتكريس البحر كمشروع وطني سيادي يعيد رسم ملامح المستقبل اليمني من على ضفاف شواطئه التي طال انتظارها لتستعيد هيبتها وحضورها.