الأربعاء, 15 يوليو 2026
121
لم تكن القضية الجنوبية وليدة حدث عابر أو ظرف سياسي مؤقت، بل هي حصيلة عقود من النضال والتضحيات والمعاناة التي خاضها أبناء الجنوب منذ حرب صيف عام 1994 وما ترتب عليها من تداعيات عميقة مست الإنسان والأرض، وأصابت مؤسسات الدولة الجنوبية وبنيتها التحتية وثرواتها وموقعها الاستراتيجي بأضرار جسيمة، وصولًا إلى الحرب الثانية عام 2015 التي فرضت على الجنوبيين مواجهة جديدة للدفاع عن أرضهم ووجودهم.
وخلال هذه المسيرة، تبلورت محطات سياسية بارزة، كان من أهمها تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة عيدروس الزبيدي عام 2017، باعتباره إطارًا سياسيًا حمل جانبًا من تطلعات الشارع الجنوبي. إلا أن التطورات اللاحقة، وما شهدته الساحة الجنوبية من تعثرات سياسية وعسكرية، وما أفرزته أحداث يناير من هذا العام من تشتت في مراكز القرار وإضعاف لوحدة القيادة، انعكس سلبًا على قدرة الجنوب في استثمار ما تحقق من مكاسب.
وفي الوقت ذاته، يواصل المواطن الجنوبي دفع أثمان باهظة على المستوى المعيشي. فالأوضاع الاقتصادية تتدهور بصورة متسارعة، والأسعار تواصل ارتفاعها، بينما تتآكل القدرة الشرائية للمواطن في ظل تدني الرواتب واتساع دائرة الفقر والبطالة. كما تتزايد مظاهر الجريمة وتعاطي المخدرات وما يترتب عليها من آثار اجتماعية وأمنية خطيرة، بالتزامن مع استمرار مسلسل الاغتيالات السياسية والأعمال الإرهابية التي تستهدف زعزعة الاستقرار.
ورغم هذه التحديات، تمكنت الأجهزة الأمنية في العاصمة عدن من تحقيق نجاحات ملحوظة في كشف عدد من الخلايا والمشتبه بهم وضبط المركبات المستخدمة في بعض الجرائم خلال فترات زمنية قصيرة، وهو جهد يستحق التقدير والثناء، مع بقاء الحاجة إلى تعزيز الإمكانات التي تمكن الأجهزة الأمنية من الانتقال من مرحلة كشف الجرائم إلى مرحلة منع وقوعها.
لقد شكلت التضحيات الشعبية، والمليونيات، والمسيرات الجماهيرية التي شهدتها مختلف محافظات ومديريات الجنوب، من عدن إلى حضرموت وشبوة وأبين ولحج والضالع وسقطرى والمهرة، رصيدًا وطنيًا متراكمًا أوجد ما يمكن وصفه بـ"اللحظة التاريخية" التي تتهيأ فيها الظروف لإحداث تحول سياسي كبير. غير أن هذه اللحظات لا تدوم إلى الأبد، وعدم استثمارها في الوقت المناسب قد يؤدي إلى تأجيل تحقيق أهدافها.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الجماهير وحدها، بل تمتد إلى القوى السياسية والنخب والقيادات الجنوبية التي تتنافس على تمثيل الجنوب. فهذه اللحظة تتطلب تجاوز الخلافات الضيقة، وتعزيز وحدة الصف، وترسيخ قيم التصالح والتسامح في الممارسة السياسية، والعمل على بناء جبهة وطنية موحدة تستند إلى رؤية سياسية جامعة، قادرة على استيعاب مختلف المكونات الجنوبية.
كما تقتضي المرحلة تقديم ضمانات حقيقية للمجتمعات المحلية بأن إدارة شؤونها ستكون عبر أبنائها، بعيدًا عن أي مظاهر للإقصاء أو الهيمنة، إلى جانب تنشيط الحضور الدبلوماسي الخارجي على أساس الشراكة والمصالح المتبادلة، بما يخدم القضية الجنوبية ويعزز مكانتها في محيطها الإقليمي والدولي.
إن التأخر في بلورة هذا المشروع الجامع قد يؤدي إلى إضاعة فرصة تاريخية ثمينة، ويؤجل الوصول إلى تسوية تحقق تطلعات أبناء الجنوب في معالجة قضيتهم، وصون حقوقهم السياسية، وتمكينهم من إدارة شؤونهم، وحماية ثرواتهم وقرارهم الوطني بعيدًا عن الاستقطابات الإقليمية وصراعات النفوذ التي تشهدها المنطقة.
وتؤكد التجارب السياسية أن الفرص التاريخية لا تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية؛ فما يكون ممكنًا اليوم قد يصبح أكثر تعقيدًا غدًا، بل قد تضيع معه سنوات طويلة من النضال والتضحيات إذا لم يتم التعامل مع المتغيرات بالسرعة والفاعلية المطلوبتين.
وتزداد أهمية ذلك في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة التي تشهدها الساحة اليمنية، وما رافقها من مستجدات عسكرية وأمنية تتعلق بحركة الطيران، والتوترات المتصاعدة، وتبادل الضربات، والإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الأطراف المختلفة، وهي تطورات تنذر بإعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.
وفي ظل هذه المتغيرات، يصبح السؤال المطروح بإلحاح: هل ستتمكن القيادات والنخب والمكونات الجنوبية من التقاط هذه اللحظة التاريخية، وتوحيد جهودها لبناء مشروع سياسي متماسك، أم أن استمرار الانقسامات سيؤدي إلى إرجاء هذه الفرصة مرة أخرى، بما ينعكس سلبًا على مستقبل الجنوب ومعيشة أبنائه واستقرارهم؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مصير اللحظة الراهنة، بل قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة بأكملها.