السبت, 25 يوليو 2026
109
منذ أن استقر بي المقام في الإمارات، اكتشفت أن للهنود علاقة عاطفية مع البرياني، تشبه علاقتنا نحن في عدن بالزربيان. كلاهما يتحدث عن طبقه وكأنه قطعة من تاريخه، وليس مجرد وجبة يتناولها وقت الغداء.
في كل مرة يدعوني فيها صديق هندي إلى الغداء، يبدأ الحديث عن البرياني قبل أن يصل إلى المائدة. هذا برياني حيدر آباد، وهذا من كيرالا، وآخر من لكناو، ولكل واحد حكاية أطول من حكاية الطبق نفسه.
أستمع إليهم بابتسامة، ثم أقول: "كل هذا جميل.. لكنكم لم تجربوا الزربيان العدني".
يصمت الجميع قليلًا، فأشعر أنني ألقيت حجرًا في قدر يغلي.
أشرح لهم أن الزربيان ليس مجرد نسخة عربية من البرياني، بل مواطن عدني كامل الأهلية. استلهم شيئًا من المطبخ الهندي، ثم كوّن شخصيته الخاصة، حتى صار طبقًا له هيبته على كل مائدة عدنية، لا يقبل جمهوره أي مساومة عليه.
ولأن الزربيان في عدن لا يكتمل إلا برفيقه التقليدي، العشار، أقول لهم ضاحكًا: "البرياني عندكم يعتمد على نفسه، أما الزربيان عندنا فيعرف أن النجاح يحتاج إلى فريق عمل."
وأحيانًا أتخيل لو أن بعض السياسيين تعلموا من سفرة عدنية بسيطة. فالزربيان والعشار يتقاسمان المائدة بانسجام، أما في السياسة فكل مكوّن يريد أن يحتكر الطبخة، ثم يتساءلون بعد ذلك لماذا احترق القدر!
وللإنصاف، فإن العلاقة بين الزربيان والبرياني ليست وليدة الصدفة. ففي فترة الوجود البريطاني في عدن، انتقل كثير من الهنود إلى المدينة، حاملين معهم خبراتهم وثقافتهم، وحتى نكهات مطبخهم. وكانت عدن تستقبل العالم، ثم تعيد صياغة ما يصل إليها بطابعها الخاص؛ ولذلك لم تستورد البرياني كما هو، بل عَدْنَنَتْه، فأنجبت الزربيان.
ولم تعبر البحر الأطباق وحدها، بل عبرت أيضًا طباع الناس؛ هدوؤهم وبساطتهم واحترامهم للاختلاف. وهي صفات ما زلت ألمسها في كثير من أصدقائي الهنود، فتذكرني بعدن التي عُرفت بروحها المدنية وانفتاحها على العالم.
لكن تلك الروح خفت بريقها مع مرور الزمن، بعدما عصفت بها التحولات السياسية، فانكمشت المدينة وتراجع شيء من الزخم الذي جعلها يومًا ميناءً للحضارات كما كانت ميناءً للسفن. ومع ذلك، ما زلت أؤمن أن روح عدن الأصيلة لم تختفِ، بل تنتظر فقط أن تهدأ العواصف لتعود كما كانت.
وفي النهاية، اتفقنا أنا وأصدقائي الهنود على هدنة تاريخية: نعترف بأن البرياني هدية الهند إلى العالم، لكن الزربيان هو الرسالة التي أعادت عدن صياغتها بطريقتها الخاصة. وربما لهذا السبب، كلما تذوقت البرياني، استمتعت بمذاقه... لكنني اشتقت إلى عدن، لأن بعض النكهات لا تصنعها البهارات، بل تصنعها المدن.