السبت, 01 أغسطس 2026
116
لم تعد قضية عدن اليوم مجرد نقاش حول تردي الخدمات أو ضعف الموارد أو قصور الإدارة المحلية بل أصبحت قضية دستورية وتشريعية تمس جوهر بناء الدولة ومبدأ المشروعية وسيادة القانون لأن الدولة الحديثة لا تدار بالأعراف ولا بالحلول المؤقتة وإنما بالنصوص القانونية التي تحدد الاختصاصات والحقوق والواجبات وتربط السلطة بالمسؤولية والاختصاص بالتمويل.
منذ انتقال السلطات الشرعية إلى عدن عقب انقلاب جماعة الحوثي وسيطرتها على مؤسسات الدولة أصبحت عدن المقر الفعلي لرئاسة الدولة ورئاسة مجلس الوزراء والبنك المركزي والوزارات والهيئات والمؤسسات الوطنية كما أصبحت المركز الذي تصدر منه القرارات السيادية والإدارية والمالية وتستقبل البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية وتمارس منه الدولة وظائفها العامة أمام المجتمعين المحلي والدولي.
وبذلك نشأ واقع دستوري وإداري جديد لم يكن قائما عند صدور دستور الجمهورية اليمنية ولا عند إصدار قانون السلطة المحلية رقم(4 لسنة 2000) وهو واقع يفرض على المشرع والحكومة مسؤولية إعادة مواءمة التشريعات مع الوظيفة الجديدة التي أصبحت تؤديها عدن .. إن قانون السلطة المحلية لم يساو بين العاصمة والمحافظات بل ميز بينهما بصورة واضحة عندما اعتبر أمانة العاصمة وحدة إدارية مستقلة وأوجب أن يكون لها قانون خاص ينظم شؤونها ويراعي طبيعتها باعتبارها مركز إدارة الدولة بينما بقيت المحافظات تخضع للنظام العام للسلطة المحلية وهذا التمييز لم يكن منحة تشريعية وإنما إدراكا من المشرع بأن العاصمة تتحمل أعباء تختلف جذريا عن أي مدينة أخرى وتحتاج إلى أدوات قانونية ومالية استثنائية تمكنها من أداء دورها الوطني.
غير أن عدن وجدت نفسها في وضع قانوني غير مسبوق فهي تمارس وظائف العاصمة دون أن تتمتع بالنظام القانوني للعاصمة وتتحمل التزامات الدولة دون أن تحصل على الحقوق التي يقررها القانون للعواصم.
وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن يطرح على مجلس القيادة الرئاسي والحكومة ومجلس النواب ووزارة الإدارة المحلية ووزارة المالية وهو كيف يمكن أن تستمر مدينة تؤدي وظائف العاصمة في الإدارة بموازنة محافظة بينما تتحمل أعباء دولة بأكملها .. إن انتقال مؤسسات الدولة إلى عدن لم يكن مجرد انتقال إداري بل ترتب عليه انتقال أعباء مالية وأمنية وخدمية ضخمة فقد تضاعف عدد مستخدمي المرافق العامة وازداد الطلب على الكهرباء والمياه والطرق والمستشفيات والمدارس والإسكان والنقل والنظافة والأمن نتيجة وجود الوزارات والهيئات والبعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية وآلاف الموظفين والمراجعين القادمين من مختلف المحافظات لإنجاز معاملاتهم أمام مؤسسات الدولة.
كما تتحمل عدن مسؤولية تأمين المقار السيادية وحماية كبار المسؤولين وتأهيل البنية التحتية اللازمة لاستمرار عمل أجهزة الدولة وهي مسؤوليات وطنية لا يجوز قانونا أو ماليا تحميلها للسلطة المحلية وحدها لأنها تتجاوز نطاق اختصاصها وإمكاناتها.
ومن المبادئ المستقرة في الفقه والقضاء الإداري أن الاختصاص لا ينفصل عن التمويل وأن من يكلف بمرفق عام يجب أن يملك الوسائل القانونية والمالية اللازمة لإدارته وإلا تحول التكليف إلى عبء غير مشروع وأصبح الإخلال بالمرفق العام نتيجة حتمية وليس تقصيرا من السلطة المحلية وحدها.
كما أن مبدأ العدالة في توزيع الموارد العامة يقتضي أن تحصل المدينة التي تتحمل أعباء الدولة على نصيب يتناسب مع حجم تلك الأعباء فلا يعقل أن تدار العاصمة بالمخصصات المالية ذاتها المخصصة لمحافظة لا تستضيف أيا من مؤسسات الدولة السيادية .. ولا يقتصر الخلل على الجانب المالي بل يمتد إلى الجانب المؤسسي فغياب(أمانة العاصمة عدن) أدى إلى استمرار(الازدواج) بين اختصاصات السلطة المحلية والوزارات المركزية وأوجد(تضاربا)في الصلاحيات وضعفا في اتخاذ القرار و تأخرا في تنفيذ المشاريع وهو ما انعكس مباشرة على حياة المواطنين .
ومن هنا فإن(الإصلاح الإداري) لم يعد(خيارا سياسيا)بل أصبح (ضرورة قانونية)..تبدأ بإصدار(قانون خاص بأمانة العاصمة عدن) يحدد (شخصيتها الاعتبارية) و(اختصاصاتها) و(صلاحياتها)و(آليات الرقابة عليها) و(ينظم العلاقة بينها وبين الحكومة المركزية) بما يحقق وحدة القرار وكفاءة الإدارة.
كما ينبغي تخصيص(ميزانية سيادية مستقلة للعاصمة عدن) ضمن قانون الموازنة العامة للدولة تتولى تمويل الخدمات المرتبطة بوجود مؤسسات الدولة والأجهزة السيادية والبعثات الدبلوماسية مع إعادة النظر في آلية توزيع الإيرادات العامة بحيث تحصل عدن على نسبة عادلة من الموارد التي تنتجها أو التي ترتبط مباشرة بوظيفتها كعاصمة.
ومن الإصلاحات المطلوبة كذلك إنشاء صندوق لتنمية العاصمة عدن يخضع لرقابة الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة والسلطة القضائية ويخصص لتمويل مشاريع البنية التحتية والمياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق والنقل العام وحماية التراث العمراني وتطوير المرافق العامة.
كما أصبح من الضروري أن يصدر مجلس القيادة الرئاسي أو مجلس النواب تشريعا يحسم المركز القانوني لعدن بوصفها العاصمة التي تمارس منها مؤسسات الدولة اختصاصاتها حتى لا يبقى هذا الوضع قائما على القرارات الإدارية والظروف السياسية وحدها لأن استقرار المراكز القانونية يعد أحد أهم مقومات دولة القانون .. إن إنصاف(عدن) ليس مطلبا مناطقيا ولا سياسيا بل هو(استحقاق دستوري و إداري) يرتبط بحسن إدارة الدولة نفسها فكل دولة تقاس بقدرة عاصمتها على أداء وظائفها وكل خلل يصيب العاصمة ينعكس على صورة الدولة وهيبتها ومؤسساتها .
لقد تحملت عدن طوال السنوات الماضية كلفة الحرب وكلفة النزوح وكلفة استضافة مؤسسات الدولة وكلفة استمرار المرافق العامة في أصعب الظروف ومع ذلك لم تحصل حتى اليوم على الإطار التشريعي والمالي الذي يوازي هذه التضحيات.
ولهذا.. فإن الوقت قد حان لإغلاق الفجوة بين الواقع والقانون وبين المسؤولية والتمويل وبين الواجبات والحقوق لأن بقاء عدن (عاصمة في الواقع ومحافظة في التشريع)!..يمثل(فراغا قانونيا)يجب معالجته بصورة عاجلة عبر إصلاح تشريعي شامل يعيد للعاصمة مركزها القانوني ويمنحها أمانة عامة مستقلة وميزانية سيادية عادلة وصلاحيات تتناسب مع الدور الذي تؤديه في حماية الدولة وإدارة مؤسساتها.. ولا يمكن بناء دولة قوية بعاصمة ضعيفة ولا يمكن الحديث عن إصلاح مؤسسات الدولة بينما تظل المدينة التي تحتضن تلك المؤسسات محرومة من أبسط المقومات القانونية والإدارية والمالية التي تمكنها من أداء رسالتها الوطنية .