أخر تحديث للموقع
الأحد, 02 أغسطس 2026 - 12:00 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • من سبتة إلى اليمن... يبقى الحلم واحدًا

    م. عبدالناصر صالح ثابت




    ربما لا يوجد مشهد أكثر اختصارًا لمأساة أكبر موجات الهروب الجماعي في المغرب من شاب يسبح خمسة كيلومترات متواصلة في عرض البحر؛ ومراهق يركض، ورجل يحمل أمه، وذاك كهل يتسلق الحواجز، وعجوز تتشبث بما تبقى من قدرتها على الصمود، ورضيع يتنقل من حضن إلى حضن.

    من يشاهد هذه المشاهد يدرك أننا نعيش زمنًا تتشابه فيه ملامح النزوح، وإن اختلفت أسبابه وخرائطه؛ زمنًا يترك فيه الإنسان كل شيء خلفه، ويحمل معه فقط ما يستطيع إنقاذه.

    هكذا بدت مدينة سبتة في عيون كثيرين ممن حاولوا الوصول إليها؛ ليست مجرد حدود أو بوابة إلى أوروبا، بل حلمًا بحياة أقل قسوة، وبغدٍ أكثر اتساعًا من واقعٍ ضاق بهم.

    لا أحد يترك وطنه لأنه يكره ترابه. يرحل حين يصبح البقاء أثقل من الرحيل؛ حين يضيق به الفقر، وتغيب سبل الحياة، وينسد الأفق، ويصبح المستقبل سؤالًا بلا إجابة.

    المغربي الذي يرى في سبتة نافذة للخروج من الفقر والبطالة وانسداد الأفق، واليمني الذي يبحث عن مخرج من الحرب والخوف والفقر وانعدام الخدمات؛ كلاهما يبحث عن مكان آخر، مكان يعتقد أن الحياة فيه قد تكون أقل قسوة.

    هذا يركض نحو سبتة، وذاك يبحث عن سبتته في اليمن.

    وفي الحالتين، حمل الناس أطفالهم ورحلوا من بيوتهم، ونزحوا من مدينة إلى أخرى، وعبر بعضهم الحدود، بحثًا عن مكان يستطيعون فيه أن يناموا دون خوف. لم يكن الهروب بحثًا عن الرفاهية، بل عن الحياة نفسها.

    قد تختلف الطرق، لكن الحلم واحد: حلم الهروب من النفق المظلم. وهنا تصبح سبتة أكثر من مدينة؛ بل تصبح فكرة ورمزًا: المكان الذي نبحث عنه عندما تضيق بنا الأمكنة.

    وقد تكون سبتة خلف البحر، وقد تكون مدينة أخرى، أو بلدًا آخر، أو مخيمًا، أو بيتًا مؤقتًا. لكنها في النهاية تعني شيئًا واحدًا: أن يجد الإنسان فرصة للنجاة.

    وأقسى ما في الحكاية أن الأطفال يدفعون الثمن؛ أن يكبر الطفل وهو يعرف أسماء الحواجز والمعابر والحروب أكثر مما يعرف أسماء الألعاب، وأن يعرف طريق الهروب قبل طريق المدرسة، وأن يسأل: «إلى أين سنذهب؟» بدل أن يسأل: «ماذا سأصبح عندما أكبر؟»

    قد تختلف أسباب الهروب بين مغربي ويمني، لكن الوجع واحد: إنسان لم يعد يطلب سوى حياة كريمة وآمنة.

    لذلك ليس السؤال: لماذا هربوا؟ بل: ماذا حدث حتى أصبح البقاء أصعب من الرحيل؟

    وربما لهذا، لكل هاربٍ سبتة؛ ليست مدينة، بل حلم بمكان يمكن أن تبدأ فيه الحياة من جديد.

    ومن سبتة إلى اليمن، يبقى الحلم واحدًا: أن يجد الإنسان مكانًا آمنًا، قبل أن يفوته العمر وهو يهرب.

المزيد من مقالات (م. عبدالناصر صالح ثابت)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال