أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:39 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • افترقنا في الأرض والتقينا في الفضاء

    د. قاسم المحبشي




    ثمة لقاءات لا تنتهي بانتهاء زمانها ومكانها، بل تظل كامنة في الذاكرة تنتظر لحظة أخرى كي تستعيد معناها. وقد يخيل إلينا أننا افترقنا عن أشخاص وأماكن إلى غير رجعة، فإذا بنا نلتقيهم من جديد في فضاء آخر، لا تحده الجغرافيا ولا تقيده الحدود. هكذا شعرت وأنا أرى الأستاذ الدكتور شريف كامل شاهين يتحدث مساء البارحة في غرفة 19 الثقافية، بعد أربعة أعوام من آخر لقاء جمعني به في مكتبه بكلية الآداب بجامعة القاهرة.

    حين ودعته في ذلك اليوم من عام 2022، بعد انتهاء إجراءات تفرغي العلمي، لم يخطر ببالي أن لقاءنا القادم لن يكون في أروقة الجامعة العريقة، بل في هذا الفضاء الرقمي الرحب الذي اختصر المسافات، وجعل المعرفة تعبر القارات في لحظات. عندها تذكرت عبارة المؤرخ الكبير أرنولد توينبي حين وصف عالمنا بأنه أصبح"عالمًا مسكونًا"، تتشابك فيه الأزمنة والأمكنة، وتتداخل فيه الخبرات الإنسانية حتى يغدو البعيد قريبًا، والغائب حاضرًا.

    "الشفاهية بين التعبير الصوتي والتدوين الرقمي"، وهو عنوان أثار داخلي أكثر من طبقة من الذكريات. لم أكن أستمع إلى محاضرة علمية فحسب، بل كنت أستعيد رحلة كاملة بدأت قبل سنوات مع جامعة القاهرة، ثم امتدت إلى تجارب بحثية أخرى، وانتهت اليوم إلى سؤال جديد يفرضه عصر الذكاء الاصطناعي.

    ولعل أجمل ما في اللقاء أنه أعاد إليّ صورة الدكتور شريف شاهين كما عرفته أول مرة: أكاديميًا يجمع بين المعرفة العميقة، والإدارة الرشيدة، والتواضع الإنساني. وهي صفات قلما تجتمع في شخص واحد. فمنذ وصولي إلى كلية الآداب بجامعة القاهرة للتفرغ العلمي، لم أصادف عميدًا استطاع أن يجعل الزائر يشعر منذ اللحظة الأولى أنه عضو في المؤسسة، لا مجرد ضيف عابر.

    وصلت إلى القاهرة بعد رحلة طويلة بدأت من جامعة عدن، مرورًا بسلطنة عُمان، وانتهت في أم الدنيا. رحلة لم تكن انتقالاً جغرافياً فحسب، بل كانت انتقالًا نفسيًا أيضًا من واقع أثقلته الحرب والاضطراب إلى فضاء أكاديمي طالما حلمت بالانتماء إليه ولو مؤقتاً.

    ولم يكن اختياري لجامعة القاهرة قرارًا عفويًا. فمنذ سنوات، وبعد حصولي على درجة الأستاذية المشاركة، بدأت أفكر في المكان الذي أستطيع أن أحقق فيه مشروعاً علمياً كنت أحمله منذ زمن. عندها نصحني أستاذي وصديقي المفكر العربي الأستاذ الدكتور أحمد نسيم برقاوي بأن أجعل وجهتي جامعة القاهرة، مستعيدًا تجربته الشخصية فيها، وما وفرته له من بيئة علمية خصبة أنجز خلالها أحد أهم كتبه الفكرية.

    أخذت بنصيحته، وبدأت رحلة طويلة من المخاطبات الرسمية بين جامعة عدن وجامعة القاهرة، مروراً بمجالس القسم والكلية والجامعة، حتى صدر قرار التفرغ العلمي، لتبدأ بعدها رحلة أخرى أكثر مشقة بسبب ظروف الحرب وصعوبة السفر. لكن كل تلك المتاعب تلاشت لحظة دخلت الحرم الجامعي لجامعة القاهرة.

    ما زلت أذكر انطباعي الأول وأنا أسير بين مباني كلية الآداب، ثم أدخل مكتبتها المركزية. شعرت يومها أنني أمام مؤسسة لا تختزن الكتب فقط، بل تختزن تاريخًا كاملًا من إنتاج العقل العربي الحديث. هنا مر طه حسين، وأمين الخولي، وزكي نجيب محمود، وعبد الرحمن بدوي، ومئات العلماء الذين صنعوا جانبًا مهمًا من الوعي العربي المعاصر.

    هناك أدركت أن الجامعة ليست مجرد قاعات ومحاضرات ولوائح إدارية، وإنما كائن حضاري حي، يعيش بقدر ما يعيش فيه من تقاليد علمية، ومنظومات أخلاقية، وثقافة مؤسسية راسخة.

    ولعل هذا هو السر الحقيقي الذي يجعل الجامعات الكبرى تستمر قرونًا. فهي لا تقوم على المباني، بل على منظومة قيم تحكم علاقتها بالعلم والباحث والطالب والمجتمع. ولذلك فإن قيمة الجامعة لا تقاس بعدد طلابها، ولا حتى بعدد أبحاثها المنشورة، وإنما بقدرتها على إنتاج العقل الحر، وإدارة الاختلاف، وحماية الحقيقة العلمية من الضغوط السياسية والاجتماعية والإيديولوجية.

    ومن هنا أرى أن نظام التفرغ العلمي ليس امتيازًا شخصيًا يمنح للأستاذ الجامعي، بل هو أحد أهم استثمارات المجتمع في إنتاج المعرفة. فالأستاذ الذي يبتعد عاماً عن أعباء التدريس والإدارة لا يتوقف عن العمل، وإنما ينتقل إلى مستوى آخر من التفكير والبحث والتأليف، ليعود إلى جامعته أكثر قدرة على الإبداع، وأكثر ثراءً في الخبرة، وأكثر نفعاً لطلابه ولمجتمعه.

    ولذلك ظلت تجربة التفرغ العلمي بالنسبة لي واحدة من أهم محطات حياتي الأكاديمية. فقد أتاحت لي فرصة التفكير بعيدًا عن الضجيج اليومي، ومراجعة كثير من الأفكار التي كنت أكتبها منذ سنوات، والانفتاح على مدارس بحثية جديدة، والاحتكاك بنخبة من الأساتذة والباحثين الذين يجسدون المعنى الحقيقي للعمل الأكاديمي.

    وحين استمعت إلى الدكتور شريف شاهين وهو يتحدث عن التحول الرقمي، والذاكرة، والتوثيق، والشفاهية، لم أكن أستمع إلى متخصص في علم المعلومات فحسب، بل كنت أرى أمامي نموذجاً للأكاديمي الذي يدرك أن المعرفة ليست تخصصات معزولة، وإنما شبكة مترابطة تتقاطع فيها الفلسفة والتاريخ والأنثروبولوجيا واللغة وتقنيات المعلومات.

    وربما لهذا السبب شعرت أن لقاء الأمس لم يكن استمراراً للقاء قديم، بل بداية لحوار جديد تفرضه أسئلة عصر مختلف؛ عصر لم تعد فيه الكتابة وحدها وعاء المعرفة، ولم تعد الشفاهية مجرد تراث من الماضي، بل أصبحت التكنولوجيا نفسها تعيد الاعتبار للصوت، وللصورة، وللخطاب الحي، ولأشكال جديدة من إنتاج الذاكرة الإنسانية.

    ذلك هو السؤال الذي سأحاول الاقتراب منه في الحلقة القادمة، حين أنتقل من السيرة الشخصية إلى التأمل الفلسفي في العلاقة المعقدة بين الشفاهية والكتابة، وكيف أعاد الذكاء الاصطناعي فتح هذا الملف القديم في ثوب جديد.

المزيد من مقالات (د. قاسم المحبشي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال