في العيادة، ينصت الدكتور سامي أحمد شوقي إلى شكوى الجسد، يبحث عن الأعراض، يراجع التاريخ المرضي، ويحاول أن يصل إلى التشخيص. لكن خارج العيادة، وحين يضع السماعة جانبًا، لا يتوقف عن مراقبة الإنسان. هنا تبدأ عين أخرى في العمل؛ عين تلتقط التفاصيل الصغيرة في الشارع، وفي وجوه الناس، وفي تناقضات الحياة اليومية، ثم تعيد صياغتها في حكاية أو خاطرة أو نص ساخر.
بهذا المعنى، لا تبدو الكتابة عند سامي شوقي هواية منفصلة عن الطب بقدر ما تبدو امتدادًا آخر لطريقته في النظر إلى البشر.
وُلد شوقي في عدن ونشأ فيها، ودرس الطب في كلية الطب بجامعة عدن ست سنوات، يصفها بأنها من أجمل مراحل حياته. بدأ مسيرته المهنية في الجراحة العامة وجراحة العظام، ثم انتقل إلى العمل في الريف لثلاث أو أربع سنوات، وهناك تبدلت وجهته تدريجيًا.
في الريف، وجد أن أغلب الحالات التي تمر عليه ترتبط بالأمراض الباطنية، فبدأ يقرأ أكثر ويتعمق في هذا المجال، حتى شعر بأنه الأقرب إليه. وعندما عاد إلى عدن اختار الطب الباطني تخصصًا له، ويعمل اليوم في عيادة داخلية بمستشفى خاص.

الدكتور سامي أحمد شوقي
غير أن ممارسة الطب في اليمن، كما يراها شوقي، لا تتوقف عند حدود التشخيص والوصفة الطبية. فالفقر، وتدني الوعي الصحي، وصعوبة حصول الطبيب على معلومات دقيقة من بعض المرضى، كلها تجعل المهنة أكثر تعقيدًا.
ويرى أن الطبيب هنا لا يواجه المرض وحده، بل يواجه أحيانًا الفقر والجهل والخوف معه. لذلك يعتقد أن دوره يتجاوز العلاج إلى التوعية، ورفع معنويات المريض، ومحاولة تخفيف شيء من الأعباء التي تحيط به.
وربما من هنا تحديدًا جاءت الصلة العميقة بين الطب والكتابة في تجربته.
يقول شوقي إن الطبيب يرى من المجتمع ما قد لا يراه غيره، لأنه يتعامل يوميًا مع البشر في لحظات ضعفهم وخوفهم وألمهم. ولهذا يجد أن مهنة الطب تمنح صاحبها مادة إنسانية خصبة، وتجعله أكثر حساسية تجاه الناس والطبيعة البشرية.
لكن بذرة الكتابة عنده أقدم من المهنة نفسها.
نشأ شوقي في بيت ثقافي، وكان لوالده الراحل أحمد محمد حسين الضباعي، المعروف بـ"شوقي"، أثر واضح في تكوينه. فقد جمع الأب بين العمل العام والاهتمام بالأدب والشعر الشعبي والكتابة الصحفية، وترك عددًا من القصائد والكتابات. كما كان للأخ الأكبر الراحل سمير حضور مهم في تشكيل وعيه، بما امتلكه من اهتمام بالسياسة والفن والتاريخ.
ويتذكر سامي بيتًا يضم مكتبتين كبيرتين، فيهما كتب أدبية ودينية وسياسية وتاريخية. في هذا الجو بدأ مبكرًا في كتابة القصص ورسمها، وهو لم يبلغ العاشرة بعد، قبل أن تصبح الكتابة لاحقًا أكثر نضجًا وتنظيمًا.
ومع مرور السنوات، وجد في مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصًا الفيسبوك، مساحة مناسبة لنشر أفكاره ونصوصه. لم يكن يقدّم نفسه بوصفه أديبًا محترفًا، وما يزال يفضّل وصف نفسه بأنه "طبيب يكتب"، وإن كانت نصوصه تفتح أمام القارئ مساحة أوسع للحكم على الجانب الأدبي في تجربته. ويرى أن ما ينشره أقرب إلى الخواطر والأفكار التي يحب مشاركتها مع الآخرين.
لكن قارئ كتاباته يلاحظ بسهولة حضور الحس القصصي والسخرية والتأمل الاجتماعي.
فأفكاره كثيرًا ما تبدأ من مشهد صغير: موقف في العيادة، أو شخصية صادفها في الطريق، أو أزمة يومية، أو مشهد من المدينة. وأحيانًا يضيف إلى الواقع شيئًا من الخيال ليمنح الحكاية مساحة أوسع.
ويظهر هذا التقاطع بين المهنة والكتابة بوضوح في نصه "يوم في مخيم طبي"، الذي يستعيد فيه يومًا حقيقيًا من عمله في مخيم خيري، فيروي حوارات مع مرضى دفعتهم الحاجة إلى ملاحقة المخيمات الطبية للحصول على أدوية السكر والضغط التي يعجزون عن شرائها. هنا لا يكتفي الطبيب بوصف الحالة المرضية، بل يلتقط ما وراءها من فقر وكرامة وصمت، لتتحول العيادة إلى نافذة على واقع اجتماعي أوسع.
وفي سلسلة "يوميات آهاب" يذهب إلى مساحة أخرى؛ يصنع شخصية خيالية لمواطن عدني بسيط، ثم يضعها وسط المطار والشارع والمؤسسات الحكومية والأزمات اليومية، مستخدمًا الحوار والسخرية والمفارقة لطرح أسئلة عن المجتمع والمدينة والناس. وبين النص الواقعي وعناصر الخيال في الحكاية، يظل مصدر الكتابة واحدًا تقريبًا: ما يراه ويسمعه في الحياة من حوله.
السخرية عنده ليست هروبًا من القسوة، بل طريقة لمواجهتها. وهو يوضح أنها سخرية من المعاناة والواقع، لا من الناس أنفسهم. ويرى أن المواقف المؤلمة بطبيعتها أكثر قدرة على دفع الكاتب إلى التفكير، وإن كان لا يهمل المواقف الجميلة والمضيئة.
ومن الكتّاب الذين تركوا أثرًا واضحًا في تجربته، الطبيب والكاتب المصري أحمد خالد توفيق، الذي وجد في أسلوبه القصصي والسخرية الهادئة نموذجًا قريبًا منه. كما يشير إلى تأثره بأفكار المفكر السوري محمد شحرور وطريقته في النظر إلى الحياة.
أما عدن، فهي ليست مجرد خلفية جغرافية في حياة سامي شوقي، بل جزء من هويته الشخصية والكتابية. وُلد فيها، عاش ودرس وتزوج وعمل فيها، ويقول عنها إنها "كل شيء" بالنسبة إليه، حتى إنه يشبّه علاقته بها بعلاقة السمكة بالماء.
ولهذا تظهر المدينة كثيرًا في تفاصيل نصوصه: في الشوارع، والمواصلات، والمرضى، والحوارات، ومشاهد الحياة اليومية. وهو لا يتردد في نقد بعض أوجه الواقع فيها، لكن ذلك النقد يأتي من داخل شعور عميق بالانتماء إليها.
ولا يفصل شوقي بين وعي الفرد وبناء المجتمع؛ فهو يرى أن الأسرة هي اللبنة الأولى لأي مجتمع متماسك، وأن ما يتعلمه الإنسان داخلها من أخلاق وتسامح وتعايش وقبول للآخر ينعكس لاحقًا على المجتمع كله. ويعتقد أن دور الأسرة لا يكتمل من دون تعليم جيد ومؤسسات قادرة على ترسيخ الوعي وثقافة السلام.
وبين العيادة والكتابة، يرى شوقي أن الإنسان يظل هو القضية الأساسية.
في الطب يحاول أن يفهم ما يؤلم الجسد، وفي الكتابة يحاول أن يفهم ما يؤلم المجتمع. وبين الاثنين، يظل سؤال واحد يشغله باستمرار: كيف يمكن الخروج من المآزق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية التي تحيط بالناس؟
قد لا يملك إجابة جاهزة، لكنه يواصل البحث عنها بطريقته؛ مرة بسماعة الطبيب، ومرة بالقلم.