أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 09:10 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​توابع الحدث…

    أحمد عبداللاه




    ​لا تكمن خطورة الأحداث فيما تفعله لحظة وقوعها، وإنما في قدرتها على مواصلة تأثيرها داخل وعي الناس. فالحدث قد ينتهي في الميدان، لكنه يواصل فعله حين يجعل المتضررين منه يتولون بأنفسهم استكمال آثاره. 

    وما جرى مطلع يناير هذا العام لم يضعف موازين القوة الجنوبية فحسب، بل أنتج خلافات سرعان ما تحولت إلى معركة إعلامية، وكأن الجنوبيين قرروا أن يتكفلوا ببقية المهمة.

    وهنا تبدأ مفارقة خطاب الهوامش،  حين تصبح المحاججة أهم من السؤال: ماذا تغير في موقع الجنوب، وكيف يستعيد قوته ومبادرته؟ فالسياسة، لسوء حظ محترفي المساجلات، لا تكافئ من ربح آخر جدال، بل من فهم ما جرى وأعاد بناء موقعه. أما أن تخسر بعض قوتك، ثم تنفق ما تبقى منها في الجدل حول الخسارة، فذلك كرم الغافلين، يحتاجه الخصوم ويسعدهم.

    ومن المؤسف أن يقبل البعض دور صندوق بريد لإيصال رسائل الآخرين، ثم يتوهم، لكثرة ما يمر عبره، أنه صانعها لا حاملها، فيما يتحول آخرون إلى منصات للخصومة، غايتها حشد الجمهور وليس إنتاج الفكرة، ويقاس أثرها بعدد المتابعين، لا بصواب الاتجاه.

    وعلى أرض الواقع، تدفع الظروف القاسية البعض إلى معارك لا تتصل بأهداف الجنوب، فيصبحون وقوداً لها، بينما يحتفظ "الرعاة" بحق تحديد غاياتها، في مفارقة يكون فيها الدم جنوبياً والبوصلة في مكان آخر.

    لذلك تصبح دوزنة الايقاع في الفضاء العام و ضبط مفهوم الشراكة مهمتين اساسيتين  لحماية القضية، ليس بالانغلاق أو رفض التحالفات، فهذا وهم في واقع اليوم،  وإنما بضمان ألا تتحول الأرض والإنسان والدم والخطاب إلى رصيد مفتوح لمشاريع الآخرين.

    الجنوب اليوم ليس جنوب 2015. فعلى الرغم من الانتصارات والتضحيات، أنهكت سنوات الحرب والبؤس والفقد والفقر المجتمع، واستنزفت كثيراً من طاقاته، فيما أسهم الحشد الإعلامي المضاد في تشكيل وعي تختلط فيه الحقائق بالأباطيل، والمواقف بالمصالح، حتى تآكل الكثير من زخم البدايات. ولهذا لم تعد المسألة مجرد خلاف بين أصوات، بل أصبحت حاجة إلى تجاوز الفقاعات الإعلامية والمساجلات اليومية التي تستهلك المجال العام، وتبدد ما تبقى من طاقته، وتحجب الأسئلة الكبرى.

    المشروع الجنوبي يتحرك وسط غابة من الخصومات والمصالح المحلية والإقليمية المتشابكة، كما أن المال السياسي الخارجي يلعب دوره في تفتيت بعض النخب وصرفها عن قضاياها الكبرى. وذلك المال مثل الماء يعرف طريقه إلى الشقوق، وكلما انحدر اليها اتسعت. حتى يجد الجنوبي نفسه في النهاية وقد قدم الدم والحبر والعرق لتحقيق طموحات الآخرين، دون أن يجد في حساباتهم حتى هامش صغير لطموحاته.

    إن أخطر ما قد يواجه الجنوب ليس وجود خصوم لمشروعه، فذلك من طبائع السياسة وصراع المصالح، بل أن يفقد القدرة على تعريف مصلحة قضيته وتحديد مساراتها، فيترك للآخرين أن يفعلوا ذلك نيابة عنه. فمن لا يرسم موقعه على الخريطة، سيضعه الآخرون حيث تقتضي مصالحهم.

    ومن هنا تبدأ مسؤولية المرحلة، باستعادة العقل السياسي، وتضييق مساحة الخلاف، وحماية المشترك. فالاختلاف ليس المشكلة، وإنما أن يتحول الاختلاف نفسه إلى مشروع، وأن تصبح الخصومة غاية بعد أن كانت عارضاً في الطريق.

    الجنوب لا يحتاج إلى اتفاق الجميع على كل شيء، فهذا مطلب لا تعرفه السياسة ولا يعرفه البشر، بل يحتاج إلى اتفاقهم على ما لا يجوز أن يكون موضع خلاف. وإلا فإن خطاب الهوامش لن يبقى مجرد خطاب، بل قد ينتهي بأصحابه إلى الموقع الذي صنعوه لأنفسهم، هامشاً في مشاريع الآخرين.

المزيد من مقالات (أحمد عبداللاه)

  • Phone:+967-02-255170

    صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
    كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

    Email: [email protected]

    ابق على اتصال