الثلاثاء, 25 أغسطس 2026
42
في بلد اللا نظام واللا قانون، ينقسم الشرفاء إلى وجهين؛ وجهٌ يخفي الطُّهر وهو حرامي يسرق الكحل من العين، ووجهٌ آخر أكثر أناقة واحترافًا، يسرق باسم القانون، وبختم الدولة، وبدلة رسمية عليها الطير المذبوح.
كلاهما، في الحقيقة، حريص على مصلحتك؛ الأول يقول لك: خلّها بيننا.
والثاني يقول لك: خلّها للدولة؛ لكن بعد قليل تكتشف أن الدولة لم ترَ شيئًا، وأن الذي«خلّيتها بينه وبينك» هو الذي خرج منها مستفيدًا! هكذا أصبح المواطن في بلادنا أمام خيارين لا ثالث لهما:إما أن تخالف القانون، أو أن تدفع لمن يختصر لك القانون.
خذ مثلًا الإشارة الضوئية. تجاوز الإشارة يكلفك مخالفة رسمية قدرها 50 ألف ريال يمني. ممتاز.
القانون واضح، والمبلغ واضح، والجهة المستفيدة واضحة: خزينة الدولة.
لكن رجل المرور، جزاه الله خيرًا، لا يريد أن يرهقك، ولا يريد أن يرهق خزينة الدولة أيضًا. فهو رجل رحيم، يرى أن خمسين ألف ريال مبلغ قاسٍ على مواطن مكافح، فيفتح لك باب التفاوض، ويترك لك حرية الاختيار؛ تدفع للدولة خمسين ألفًا... أو تدفع له عشرة آلاف!. وهنا يظهر معدن المواطن الحقيقي.
فإن دفعت الخمسين، فأنت مواطن مسرف، ساهمت في رفد خزينة الدولة، وحافظت على هيبة القانون.
وإن دفعت العشرة، فأنت مواطن ذكي حسبتها حسبة تجارية، ووفّرت على نفسك أربعين ألفًا، وساهمت في تحسين دخل موظف الدولة!.
يعني في الحالتين أنت اخترت مصلحتك.
الفرق فقط أن في الحالة الأولى تذهب فلوسك إلى خزينة الدولة، وفي الثانية تذهب إلى «خزينة خاصة» لا نعرف أين مقرها، ولا من أمينها، ولا هل لها حساب في البنك المركزي أم في جيب العسكري!. والأجمل من ذلك أن العملية تتم بكل هدوء. لا إيصالات/ لا طوابير/ لا معاملات/ لا توقيع مدير/ ولا ختم وزارة. ولا حتى حاجة إلى البحث عن خزينة الدولة!. كل شيء يتم في الشارع، أمام الإشارة، وفي أقل من دقيقة. هذه هي الدولة الإلكترونية الحقيقية: ادفع... وتمت المعاملة!
ولو سألت المواطن: لماذا دفعت؟ سيقول لك: «دفعت عشرة آلاف بدل خمسين»، ولو سألت رجل المرور: لماذا أخذت؟ سيقول: «أنا ساعدته».
ولو سألت الدولة: أين الخمسين ألفًا؟ ستجيبك الدولة بالسؤال التاريخي العظيم: أيش من خمسين ألف؟ وهنا تتضح عبقرية النظام.
الدولة وضعت مخالفة بخمسين ألفًا، ورجل المرور وضع لها سعرًا شعبيًا بعشرة آلاف، والمواطن وجد نفسه أمام عرضًا مغريًا لا يستطيع مقاومته.
الدولة تقول: ادفع 50 ألفًا، ورجل المرور يقول: لا تتعب نفسك... خلّها 10، والمواطن يقول: الله يكثر خيركم جميعًا!.
وهكذا يتحول القانون من نص ملزم إلى سوق للمساومة؛ حتى الإشارة الضوئية لم تعد حمراء وصفراء وخضراء.
أصبحت: حمراء بمعنى 50 ألف للدولة. وخضراء بمعنى 10 آلاف لرجل المرور؛ أما اللون الأصفر، فهو للحظة التي تفكر فيها: أدفع للدولة أم أوفّر على نفسي وأدفع للموظف؟.
يا مدير المرور.. الله يرحم والديك المواطن ليس ضد المخالفة. المواطن يريد أن يدفعها. بل ربما سيدفعها وهو راضٍ، إذا عرف أن الـ50 ألفًا التي خرجت من جيبه ستذهب إلى خزينة الدولة، لا إلى جيب شخص يستغل وظيفته.
لكن عندي لك اقتراح أكثر واقعية، وقد يكون حلًا تاريخيًا لهذه المعضلة: خفّضوا المخالفة من 50 ألفًا إلى 5 آلاف فقط. وأنا أضمن لكم أن المواطن سيدفعها. بل سيدفعها بنفس راضية، وربما وهو يقول: «الله يرحم والديكم، خذوا الخمسة آلاف، وسلّموها للدولة».
أما أن تقولوا له: ادفع 50 ألفًا للدولة، ثم يأتي من يقول له: «أعطني عشرة ونعتبرها منتهية».. فهذه ليست مكافحة للمخالفة. هذه مكافحة لخزينة الدولة!.
وإذا كانت الخمسة آلاف لا تكفي ميزانية الدولة، فليكن المبلغ عشرة آلاف، عشرين، حتى خمسين؛ لكن بشرط واحد: أن يدفعها المواطن للدولة، لا لموظف الدولة.
لأن المشكلة ليست في قيمة المخالفة وحدها. المشكلة أن المواطن أصبح يعرف أن القانون له سعران: سعر رسمي يدخل في خزينة الدولة، وسعر شعبي يدخل في سروال العسكري، وعندما يصبح دفع الرشوة أرخص من دفع الغرامة، فلا تسألوا المواطن لماذا اختار الأرخص.
اسألوا أنفسكم: من الذي جعل للفساد خصمًا؟ وسلّموا لي على الدولة..