الاثنين, 31 أغسطس 2026
64
حضرموت ليست محافظة عابرة في جغرافيا الجنوب، ولا رقمًا يمكن إضافته إلى معادلة سياسية أو حذفه منها متى شاءت القوى المتنفذة. إنها ثقل الجنوب السياسي والجغرافي والاقتصادي والتاريخي، وركيزة أساسية في أي مشروع جنوبي قادم.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: من أسس ما يسمى بـ«المجلس الأعلى للتنسيق في حضرموت»؟ ومن يقف خلفه؟ بل السؤال الأهم: هل يستطيع أي مشروع سياسي أن يعيش في حضرموت إذا وُلد بعيداً عن إرادة أبنائها، وخارج السياق العام للقضية الجنوبية، ومن دون حاضنة شعبية حقيقية؟
الإجابة واضحة: لا.
فالمشاريع السياسية لا تُصنع بالمؤتمرات والبيانات والدعاية، ولا تمنحها الأسماء الكبيرة شرعية تلقائية. الشرعية تُبنى من المجتمع، ومن ثقة الناس، ومن القدرة على التعبير عن مصالحهم وتطلعاتهم.
ومن هنا تكمن مشكلة هذا المجلس؛ فليست المشكلة في حق الحضارم في تنظيم أنفسهم أو التعبير عن تطلعاتهم، فهذا حق أصيل، وإنما في طريقة ولادة المشروع، ومدى ارتباطه بإرادة المجتمع الحضرمي، وانسجامه مع المسار العام للقضية الجنوبية.
حضرموت ليست كتلة اجتماعية يمكن اختزالها في مجموعة أشخاص أو مؤتمر أو مجلس. إنها مجتمع واسع ومتعدد، يمتد من الساحل إلى الوادي والصحراء، وله مكونات قبلية واجتماعية وسياسية ومدنية متشابكة. ولذلك فإن ادعاء احتكار تمثيل حضرموت من خلال كيان سياسي واحد هو تجاهل لطبيعة المحافظة نفسها.
والأخطر أن عزل حضرموت عن محيطها الجنوبي لن يجعلها أقوى، بل قد يجعلها أكثر انقساماً وأضعف تفاوضياً.
السؤال الذي يجب أن يسبق كل مشروع سياسي هو: أين تريد حضرموت أن تكون في المستقبل؟ وما شكل الدولة التي تضمن حقوقها وثرواتها وشراكتها السياسية؟.
وهنا تبرز أهمية الدولة الجنوبية الفيدرالية العادلة، التي تمنح حضرموت خصوصيتها وحقوقها ومساحة واسعة لإدارة شؤونها، من دون أن تتحول إلى جزيرة سياسية معزولة عن محيطها الجنوبي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لحضرموت هو أن تتحول إلى ساحة لتجارب الآخرين أو ورقة في صراعات النفوذ. حضرموت أكبر من أن تكون أداة في مشروع سياسي مؤقت، وأكبر من أن تُختزل في مجلس أو مؤتمر أو مجموعة أشخاص.
وإذا كان الهدف فعلاً خدمة حضرموت، فالطريق واضح: العودة إلى المجتمع، والاستماع إلى جميع مكوناته، واحترام إرادة الحضارم، والتخلي عن احتكار تمثيل المحافظة، والانخراط في حوار جنوبي واسع يضع حضرموت شريكاً أصيلاً لا خصماً داخليًا.
أما الخروج عن الإجماع الجنوبي، ومحاولة فرض مشاريع من أعلى، فلن يصنع لحضرموت مستقبلاً مستقرًا، فالمشاريع السياسية لا تعيش بالبيانات، وإنما بالناس. ولا تعيش بالدعم الخارجي وحده، وإنما بالشرعية الاجتماعية.
ولهذا فإنني أرى أن مستقبل المجلس، بصيغته الحالية، لا يبدو مطمئنًا، لأن المشروع الذي ينفصل عن المجتمع يبدأ بالموت السياسي، حتى وإن بقي اسمه حياً في الإعلام.
حضرموت اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تكون شريكًا أصيلًا في صياغة مستقبل الجنوب، بحقوقها وخصوصيتها وضماناتها، وإما أن تتحول إلى ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين.
والقرار في النهاية ليس بيد مجلس يُصنع من أعلى، ولا بيد قوى تتغير مواقفها مع اتجاه الريح؛ القرار بيد حضرموت وأبنائها. ومن لا يقرأ هذه الحقيقة اليوم، سيضطر إلى قراءتها غداً، ولكن بعد فوات الأوان.