أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:21 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • بيوت الله جامعة لا مفرقة

    أحمد عبدالله المريسي




    بسم الله الرحمن الرحيم "ربِ اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي".

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المرسلين ورحمة الله للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

    إن من نعم الله العظيمة على هذه الأمة أن جعل لها بيوتًا تُذكر فيها كلمته وتُقام فيها عبادته، فقال سبحانه: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]. فالمسجد وقف لله، ليس ملكًا لطائفة ولا لجماعة ولا لاتجاه، وإنما هو بيت أُذن أن يُرفع فيه اسم الله. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "أحب البلاد إلى الله مساجدها" رواه مسلم. فمن دخل مسجدًا تُقام فيه الصلاة على قبلة المسلمين فقد أتى عبادة عظيمة، سواء كان ذلك في المنصورة أو الشيخ عثمان أو كريتر أو المعلا أو التواهي أو البريقة أو أي بقعة من بقاع المسلمين.

    والأصل الذي قام عليه ديننا هو الوحدة لا الفرقة، والاجتماع لا التشرذم. قال الله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، وقال نبينا ﷺ: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم" رواه أبو داود وصححه الألباني، وقال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" متفق عليه. فالذي يدعو إلى تصنيف المساجد وقصر الصلاة على مساجد دون أخرى إنما يخالف هذا الأصل المحكم، ويفتح على الأمة بابًا من أبواب الفتنة التي حذر منها الشرع أشد التحذير.

    ولقد كان هدي سلفنا الصالح في التعامل مع الخلاف غاية في الحكمة والاتزان. فقد اختلف الصحابة والتابعون في مسائل كثيرة في الفقه والقراءة والدعاء، ومع ذلك ما هجر بعضهم مساجد بعض ولا منع بعضهم بعضًا من الصلاة. ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: "أدركت الناس وهم يصلون خلف من ليس على رأيهم"، لأنهم كانوا يفقهون أن درء مفسدة الفرقة وتمزيق الجماعة أعظم من الخلاف في المسائل الاجتهادية.

    وقد بين أهل العلم الضابط في ذلك بيانًا شافيًا، فقالوا: لا يُترك المسجد ولا يُهجر إلا إذا ظهر فيه منكر مجمع على تحريمه لا يمكن إنكاره ولا تغييره، كتعطيل الصلاة عمداً، أو الدعوة إلى الشرك الصريح، أو سب مقدسات الأمة المعلومة بالضرورة. أما ما سوى ذلك من اختلاف الناس في الفروع الفقهية أو في أسلوب الخطبة أو في الاجتهادات العلمية فإنه لا يسوغ بحال هجر بيوت الله، لأننا نعبد الله وحده لا شريك له، ولا نعبد الإمام ولا الجماعة.

    وإلى أهلنا في عدن خاصة نوجه هذه الكلمة: يا أهل الشيخ عثمان والمنصورة وكريتر والمعلا والتواهي والبريقة، لقد كانت مدينتكم على مر التاريخ نموذجًا للتعايش والتسامح وملتقى للناس. فلا تجعلوا للشيطان مدخلًا يفرق بينكم من باب المسجد. من صلى في أي مسجد من مساجد المسلمين في عدن فهو مأجور وهو من عمار بيوت الله، والذي يدعو إلى الهجر والتصنيف هو الذي سيُسأل عن الفرقة يوم القيامة.

    فلنتفق جميعًا على أن نُعمر بيوت الله بالصلاة والذكر، وأن نحترم خلافنا ونتحاوره بالحسنى، وأن نقدم المصلحة العامة للأمة على الانتصار للرأي، مصداقاً لقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} [آل عمران: 103].

    اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام، اللهم اجعل هذا العمل خالصًا لوجهك وسببًا في لم الشمل ورأب الصدع. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المزيد من مقالات (أحمد عبدالله المريسي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال