الأحد, 20 سبتمبر 2026
144
عدن اليوم لا تبحث عن ترف ولا عن رفاهية ولا عن تحسين خدمات كمالية؛ عدن تبحث عن الحد الأدنى من مقومات البقاء الإنساني. لسنوات ونحن نتحدث عن انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة حتى ملّ الحديث نفسه منا وتحولت الشكوى إلى روتين يومي اعتادت عليه الآذان المسؤولة دون أن يتحرك ساكن. لكننا اليوم أمام منعطف أخطر وأقسى وأكثر إيلاماً: نحن لم نعد نتحدث عن انقطاع ضوء يمكن احتماله، نحن نتحدث عن انقطاع شريان الحياة الذي جعل الله منه كل شيء حي؛ نتحدث عن الماء الذي بدونه لا تستقيم حياة ولا يحفظ جسد ولا تصان كرامة ولا تستمر مدينة.
ما يحدث في عدن اليوم لا يمكن توصيفه على أنه خلل فني عابر أو عجز طارئ أو ضغط مؤقت كما يقال في البيانات المكررة؛ ما يحدث هو فشل واضح في إدارة منظومة الخدمات الأساسية. أن يتحول المواطن العدني —ابن المدينة التي كانت تسبق كل مدن المنطقة في نظامها المؤسسي وبنيتها التحتية وخدماتها العامة— إلى متجول بين الحارات والأحياء يحمل وعاءً فارغاً يبحث عن قطرة ماء وكأنه في منفى وليس في بيته وبين أهله، فتلك لم تعد أزمة خدمات فحسب، بل أزمة ضمير وأزمة إدارة وأزمة إحساس بالمسؤولية تجاه الناس.
نحن هنا لا نكتب لنستجدي حلاً ترقيعياً عبر صهريج ماء يأتي يوماً ويغيب عشرة، ولا نكتب لنستعطف جهة أو نستهدف جهة بعينها؛ نحن نكتب بمنطق الدولة التي نحلم بها، وبعقلية الباحث والمحلل ورجل الدولة الذي يرى الصورة بكل أبعادها. إن استمرار انقطاع الماء والكهرباء بهذا الشكل المستمر والمرهق لا يدمر صحة الناس ومعيشتهم فقط، بل يدمر ما تبقى من ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وحين تنهار هذه الثقة ينهار معها كل شيء؛ فلا يمكن أن تطلب من مواطن أن يحترم القانون ويلتزم بالنظام ويحافظ على مدينته ويشارك في بنائها وأنت لم توفر له أبسط مقومات الحياة: كوب ماء نظيف وقليل من الضوء.
إن ما تعيشه عدن اليوم يضع الجميع دون استثناء أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية ومجتمعية؛ فالمسؤولية هنا ليست مسؤولية مؤسسة المياه وحدها ولا مؤسسة الكهرباء وحدها، بل هي مسؤولية منظومة حكم متكاملة تبدأ من السلطة المحلية في المحافظة مروراً بالحكومة والوزارات المعنية، وانتهاءً بكل جهات التخطيط والموارد والرقابة والدعم. والصمت في مثل هذا الظرف لا يمكن اعتباره حياداً، بل هو مساهمة غير مباشرة في تعميق المعاناة. كما أن تبرير هذا الوضع بقلة الإمكانيات أو بظروف الحرب لم يعد مقبولاً لا منطقياً ولا واقعياً؛ فالحرب مستمرة منذ سنوات طويلة وكانت عدن في أحلك ظروف الحرب وأقساها توفر الماء والكهرباء بشكل أفضل مما هي عليه اليوم، وهو ما يؤكد أن المشكلة إدارية بامتياز قبل أن تكون مادية.
إننا اليوم لا نطالب بمعجزة ولا نطالب بما هو فوق الطاقة؛ نحن نطالب بحق طبيعي أصيل كفله الشرع والقانون والدستور وكل المواثيق الإنسانية. نطالب بمصارحة الناس وبحقهم في معرفة الحقيقة: ما هو السبب الحقيقي للانقطاع؟ أين يكمن الخلل؟ ما هي المعالجات الجذرية وليست المؤقتة؟ ما هو الجدول الزمني الواضح للحل؟ ومن هي الجهة المسؤولة أمام الناس بشكل مباشر؟ المواطن في عدن لم يعد يحتمل الوعود ولا البيانات الإنشائية؛ المواطن يريد أن يرى الماء يجري في أنابيب منزله وأن يرى جدولاً منصفاً للكهرباء يحترم آدميته وإنسانيته في مدينة تصل فيها درجة الحرارة إلى أكثر من أربعين درجة ورطوبة تخنق الكبير قبل الصغير.
إن عدن التي علمت الجميع معنى المدنية ومعنى النظام ومعنى القانون ومعنى التعايش، تستحق اليوم أن ينظر إليها بعين الدولة وعين المسؤولية وعين الإنصاف، لا بعين الجباية ولا بعين اللامبالاة. فحين تعطش عدن فهذا يعني أن كل مشاريع التنمية وكل الشعارات السياسية وكل الخطط المعلنة تفقد قيمتها ومعناها؛ لأن الإنسان هو محور التنمية وأساسها، وإذا لم توفر للإنسان ماءً وكهرباءً فعن أي تنمية وأي استقرار وأي مستقبل تتحدثون؟
هذه ليست رسالة شخص واحد، هذه رسالة بلسان كل أم وقفت في طابور الماء ساعات تحت الشمس، وكل أب حمل وعاءه على كتفه يبحث عن بئر، وكل مريض لم يجد ماءً للوضوء ولا للدواء، وكل طفل نام ليلته عطشاناً في هذه المدينة الصابرة. عالجوا ملف الماء والكهرباء الآن وليس غداً وبخطة معلنة ومسؤولة يلمسها الناس في بيوتهم، فالناس بلغت حافة من الصبر لا يمكن بعدها لوم أحد إذا تعب أو انفجر غضبه.